أنت هنا

خطاب رئيس حركة النهضة في اختتام الندوة السنوية الثالثة

24 جوان 2019 18:35

بسم الله الرحمن الرحيم / وبه نستعين / والصلاة والسلام / على أشرف المرسلين

 

السيدات والسادة أعضاء الندوة السنوية لإطارات حزب حركة النهضة

 

السيدات والسادة الضيوف السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته / ومرحبا بكم جميعا

 

الأخوات والأخوة أعضاء الندوة السنوية، على الحضور والمشاركة الفعالة في فعاليات هذه الندوة السنوية الثالثة لإطارات الحزب، وتحية إلى كل فرق العمل التي اشتغلت طويلا وحثيثا من أجل حسن إعداد هذه الندوة مضمونيا ولوجستيا، وتحية من خلالكم إلى كل مناضلات ومناضلي الحزب وإلى كل الذين يتابعون أشغال هذه الندوة داخل الوطن وخارجه ويهمّهم معرفة نتائجها.

هنيئا لنا جميعا ولحركتنا انعقاد الندوة السنوية الثالثة تحت شعار "لا مواطنة دون مواطنة اجتماعية" التي نختتم اليوم أشغالها بعد مداولات وورشات عمل معمقة، انتهينا فيها إلى جملة من التوصيات الهامة يتعلق بعضها بمسائل حزبية وأغلبها بقضايا وطنية ذات علاقة بالمسألة الاقتصادية والاجتماعية ومقترحات حركة النهضة في معالجتها.

 

بعد ثماني سنوات من الثورة تحققت فيها العديد من المكاسب على مستوى مسار الانتقال الديمقراطي السياسي، ولكن لا يزال التونسيون وخاصة في الجهات الداخلية والشباب ينتظرون إنجاز الاستحقاق التنموي والاجتماعي للثورة الذي ساهم تأخّره في تدهور أوضاعهم المعيشية وتعميق الفجوة الاجتماعية واتساعها رغم أن الثورة قامت أساسا بسببها ومن أجل تجاوزها، وكان أحد أهمّ مطالب الثوّار هو الكرامة من خلال عدالة اجتماعية وتوزيع منصف للثروة بين الجهات والفئات والأجيال.

 

لا تزال تونس تعيش بعد ثماني سنوات من الثورة على وقع فجوة اجتماعية واختلالات تنموية بين المدن الكبرى ومحيطها نشأت وتعمّقت تاريخيا قبل الثورة بسبب خيارات وقرارات سياسية تكاد تكون قصدية راعت الاعتبارات الاقتصادية دون النظر الجدي إلى الجوانب الاجتماعية والتنموية. ومع أن الدولة قد اعترفت رسميا بعد الثورة بواقع التهميش والحيف الاجتماعي، تنامت مع الأسف الشديد الفجوة الاجتماعية وهي لا تزال مرشحة للتنامي أكثر، ولا يزال ترتيب الولايات من حيث مؤشر التنمية الجهوية شبه مستقر عبر سنوات ما بعد الثورة. وتؤكّد مؤشرات البطالة والفقر الصحة والتعليم والتوجيه الجامعي والنقل العمومي تواصل تعمق التفاوت خصوصا مع المناطق الداخلية في وسط البلاد وغربها وانتشار الهشاشة الاجتماعية التي تمس بالدرجة الأولى الفئات الأضعف اجتماعيا.

 

وساهمت المطلبية التي ارتفع سقفها عاليا بعد الثورة في تعميق الفوارق الاجتماعية لأنها جلبت في الغالب أعلى الزيادات في الأجور للقطاعات الأقوى والأكثر تنظما وليس للقطاعات الأضعف والأكثر احتياجا كما بقيت وضعية الشباب والعاطلين عن العمل على حالها تقريبا.

 

وفي غياب معالجات حقيقية ومستديمة لهذه الفجوة المتنامية، تعاظمت مخاطرها وارتفعت كلفتها السياسية والاجتماعية، وأصبحت تمثّل تهديدا للمسار العام بالبلاد وخطرا على السلم الاجتماعي مؤذنا بإمكانية حدوث انفجار اجتماعيى خاصة مع تزايد التحركات الاجتماعية وتصاعدها في المناطق الأقل حظا من النمو. في هذه الظروف والمناخات ارتفعت أصوات شعبوية تتحدث عن مشكلات حقيقية لتقدّم لها حلولا غير واقعية هدفها التشكيك في الثورة وفي جدوى المسار الديمقراطي وفي السياسيين وفي الدولة أصلا.

 

لم يعد بالإمكان معالجة الفجوة الاجتماعية وتداعياتها السلبية على الوطن والمواطن بالسياسات الكلاسيكية لأنها لن تؤدي إلا لإعادة انتاج نفس النظام الاجتماعي بإخلالاته ومظالمه. ونعتبر أن معالجة هذه الفجوة هي مسألة سياسية بامتياز قبل أن تكون اقتصادية وأن تحقيق الانعطافة الاجتماعية المطلوبة يستوجب تغيير قواعد النظام الاجتماعي واقتراح سياسات عمومية بديلة تقطع مع معالجة الاجتماعي تحت مظلة الاقتصادي وتجعل الدولة وتدخلها جزء من الحل لا جزء من المشكل.

 

اخترنا في حركة النهضة المضي في بناء خيارات جريئة تقطع نهائيا مع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية السابقة، وتكون تحت سقف دستور الثورة وما أقره من مبدأ التمييز الإيجابي للجهات من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والتوازن بين الجهات.

 

ستواصل حركة حركة النهضة جهودها من أجل تحقيق التمكين الاقتصادي والاجتماعي للشرائح الاجتماعية الضعيفة والمهمشة تفعيلا لما تضمنته اللائحة الاقتصادية للمؤتمر العاشر للحركة في ماي 2016.

ولتحقيق ذلك، تقترح حركة النهضة تثمين المقدرات المحلية عبر سياسات وبرامج تعطي الأولوية لإعتماد الجهة على مقومات التنمية الخاصة بها ودعم قدراتها على الإنتاج الصناعي والفلاحي والخدماتي وتسويق المنتجات محليا وخارجيا من أجل الحفاظ على القيمة المضافة في الجهات المنتجة وتطويرها.

 

لقد تأكّدت الحاجة إلى مراجعة جذرية للسياسات المعتمدة في توريد البضائع بعد أن ظهر أنها أضرّت بالكثير من القطاعات ومن منظومات الإنتاج الوطنية وهي تهدّد العديد منها بالتوقف أصلا لصالح علاقات دولية غير متوازنة تمّت قبل الثورة في سياق انفتاح تونس على العالم انفتاحا بشروط غير متكافئة آن الأوان لتغييرها كما أصبح من اللازم أيضا تطوير منظومات الإنتاج المختلفة وإعادة تأهيلها لتلبي حاجيات السوق الداخلية وتزيد من قدرة منتجاتنا ومؤسساتنا على المنافسة في الأسواق الخارجية عبر تطوير القيمة المضافة للسلع التونسية بدل أن يباع المنتوج التونسي خاما في الخارج بأثمان غير مجزية.

 

ونظرا لتواضع تفعيل التمييز الإيجابي إلى غاية اليوم نتيجة غياب سياسات شجاعة للتغيير، تقترح النهضة تمليك الجهات الضعيفة جزءا من فوائض النمو الاقتصادي وتوزيعه توزيعا إجتماعيا وإحداث "بنك الجهات" لتنمية المناطق الضعيفة التي بقيت وضعيتها دون معالجات جذرية. فقد بقيت مناطق انتاج الثروة مثل المياه في الشمال والفسفاط والنفط والغاز في الجنوب، بيئة متخلفة وقاحلة تسجّل أعلى نسب الفقر والبطالة والتهميش في الوقت الذي كان يجب أن تكون بيئة نامية وحاضنة لأبناء الجهة ولغيرهم من التونسيين.

ونقترح في هذا الإطار تقسيم الأراضي الدولية وتوزيعها على صغار المستثمرين وخاصة الشباب لإستصلاحها وزراعتها للنهوض بالقطاع الفلاحي في إطار رؤية للتنمية الجهوية.

 

ستعمل حركة النهضة من خلال وجودها في الحكومة وفي إطار برنامجها الاقتصادي والاجتماعي الجديد على توفير كل شروط الإنتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد المنافسة أو من اقتصاد الرُخص إلى اقتصاد التساوي في الفرص.

 

وفي هذا الإطار، ستكون من بين أولوياتنا إعادة ترتيب المجال الترابي عبر تهيئة ترابية جديدة تجمع بين الجوانب العمرانية والأبعاد الاقتصادية والاجتماعية وبين تطوير جاذبية المدن في الجهات وتحقيق الإقلاع التنموي فيها، وجعل السواحل التونسية في خدمة البلاد عامة عبر ربط الجهات الداخلية بالسواحل والموانئ بشبكات من الطرقات السريعة والسيّارة تضع حدّا لعزلة هذه الجهات.

 

في مسار آخر، سيهدف برنامجنا الإقتصاديعلى تعميق علاقاتنا الإقتصادية مع الأسواق الخارجية التقليدية سواء في جوارنا المغاربي و الأوروبي, وكذلك على سنعمل على تنويع علاقاتنا الإقتصادية الخارجية لإعطاء أهمية كبيرة للأسواق الإفريقية الواعدة, وكذلك الإنفتاح على الأسواق الأسياوية لتسويق منتجاتنا ولاستقطاب المستثمرين منها. يهدف هذا التوجه لتحقيق التنويع المطلوب في علاقاتنا الاقتصادية الدولية من أجل توسيع هامش الخيارات الاقتصادية أمام بلادنا والتخفيف من الضغوط الخارجية عليها و الإستفادة من الفرص الجديدة إقليميا وعالميا.

فرغم أن صورة تونس في الخارج قد تحسّنت وأصبحت أكثر جاذبية نتيجة رمزية ثورتها ونجاح تجربتها في الانتقال الديمقراطي وما فتحه ذلك أمامنا من تنوّع في علاقتنا الدولية، إلا أن استفادة تونس من هذا المكسب الهام لم يكن بالقدر المطلوب وخاصة مع الاقتصاديات الصاعدة والشركاء التقليديين والجدد.

 

تبدو النهضة اليوم وبعد ثماني سنوات من الثورة، أكثر قناعة بضرورة اهتمام السياسي بالاجتماعي وأن يجعله مركز أولوياته وبرامجه وهو ما ستلتزم به حركة النهضة بعد الانتخابات المقبلة، لقناعتنا بأنه لا مواطنة بدون مواطنة اجتماعية وأنه لا يمكن لتجربتنا في الانتقال الديمقراطي أن تستقر دون معالجة حقيقية وعميقة للمسألة الاجتماعية.

 

من أجل ذلك، تقترح النهضة تغيير قواعد النظام الاجتماعي واعتماد منوال ادماجي جديد يجمع بين النجاعة الاقتصادية والمعالجة الاجتماعية وبناء عقد اجتماعي جهوي يصلح الأنظمة القانونية المعطّلة ويسرّع بناء اللامركزية ويسهّل مرور اقتصادنا من اقتصاد الريع إلى اقتصاد المنافسة التي تكون أكثر انفتاحا وشفافية للوافدين الجدد من المناطق الداخلية وحثّ الفاعلين من خارج الاقتصاد المهيكل إلى الاندماج في الاقتصاد المهيكل من خلال حوافز متعددة جبائية ومالية وقانونية.

 

ستعمل النهضة على المدى القصير على تحسين شروط السلم الاجتماعية من خلال برامج وآليات تحافظ بها على مقومات العيش اليومي للمواطن عبر التحكّم في الأسعار واتخاذ سياسات اجتماعية جريئة لتحسين الخدمات البلدية وخدمات المرفق العام وخاصة في قطاعات مهمة في يوميات حياة التونسيين وهي التعليم والصحة والنقل ويضاف إليها الاهتمام بأمثلة التهيئة العمرانية والبيئية لجعل الجهات أكثر جاذبية مع توجيه عناية خاصة للجهات والمناطق المحرومة.

 

النهضة اليوم أكثر شعورا بالمسؤولية وستواصل في المستقبل ترفقها بالتجربة التونسية ومراعاة صعوبات الانتقال، ولكنها ستذهب بعيدا في تحقيق تطلعات الشعب وخاصة في محاربة الفساد وإرفاق الانتقال السياسي بانتقال اقتصادي واجتماعي يحقق الكرامة وينهي التهميش ويحسّن مستوى ونوعية عيش عموم التونسيين وهو ستقدّمه النهضة في رؤيتها إلى مستقبل تونس في 2035.

 

ويبقى الانتظام الانتخابي أبرز عنوان لنجاح تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس قطعت به بلادنا خطوات هامة نحو ترسيخ الديمقراطية وستعبر به أيضا ما تبقى من مسار الانتقال لتدخل نادي الديمقراطيات كأول ديمقراطية عربية. وعليه، تعتبر النهضة أن الإنتخابات القادمة علاوة على أنها لازمة ديمقراطية، واستحقاق دستوري فإنها ستشكل أفقا وفرصة جديدة لتجاوز المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والقيام بالإصلاحات الكبرى المطلوبة التي لا يجب أن يتأخر انجازها أكثر مما تأخر.  

 

هذه الانتخابات ستكون فرصة لنا في النهضة لنجدد عهدنا مع شعبنا بأننا سنضع دائما مصلحته فوق كل مصلحة أخرى، وأننا لن نألو أي جهد في سبيل علو بلادنا وازدهارها وتطورها. هدفنا في حركة النهضة هو كسب ثقة التونسيات والتونسيين في الداخل والخارج لنساهم مع غيرنا في حفظ بلادنا ودولتنا وخدمة جميع أفراد شعبنا.

 

ستقبل النهضة بنتائج الصندوق، مثلما قبلت بها من قبل، مهما كان ترتيب النهضة فيها، إذ الأهم عندنا هو أن تنجح تونس وأن تنجح التجربة الديمقراطية. فليس للنهضة مصالح تعمل من أجل تحقيقها مقدّمة على مصلحة تونس ومستقبلها ومنها حماية الديمقراطية من التحيّل عليها وهو ما دفعنا إلى الموافقة على التنقيحات الأخيرة للقانون الانتخابي.

 

سنعمل بعد الانتخابات على بناء تحالفات وشراكات للمستقبل قوية ومستقرة من أجل هدفين اثنين، الأول اقتصادي تنموي عبر إنفاذ الإصلاحات المطلوبة، والثاني سياسي وهو تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة. ونؤكّد في هذا السياق، أنّنا سنحافظ على علاقة التعاون بيننا وبين الاتحاد العام التونسي للشغل باعتباره شريكا وطنيا اجتماعيا وسياسيا فاعلا ومهمّا.

 

أمّا عن الانتخابات الرئاسية، فإن النهضة لن تتعامل معها باعتباره شأنا حزبيا فقط وإنما أيضا شأنا وطنيا نريده أن يصبّ في صالح تونس وفي صالح التجربة والمستقبل. سنسعى إلى أن يكون الرئيس القادم مهما كان إسمه، شخصية وطنية توافقية يقف على نفس المسافة من كل الأحزاب قادرا على تجميع كل التونسيين على أرضية الدستور وتحت سقف المصالح الوطنية العليا والسيادة الوطنية.

 

تحتاج تونس في المرحلة المقبلة منظومة سياسية جديدة، قوية، متضامنة ومستقرة، قادرة على إنجاز الإصلاحات وتحسين عيش التونسيين وإحداث الانعطافة الاجتماعية المطلوبة، في إطار التجانس والتعاون بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والاحزاب السياسية حتى تكون لنا القدرة على تأطير المواطنين وتلبية تطلعاتهم وسد المنافذ على الخطاب الشعبوي الذي يبيع الأوهام للناس.

 

وبناء على حصائل تجربة السنوات الثمانية الماضية وما أتاحته من فرص وما فرضته من تحديات، اختارت النهضة أن تتجه إلى المستقبل وأن تبقى قوة تغيير نحو الأفضل ممتلئة بثقتها في نفسها وفي التونسيين, أداتها في ذلك الانتقال من توافق سياسي عام إلى تعاقد وطني على أساس أولويات وبرامج.

 

ستستند مشاركة النهضة في الحكومة القادمة إلى شراكة سياسية تقوم على تعاقد برنامجي واضح يمثل الاجتماعي الإقتصادي محوره، وعلى أساس أجندة وطنية تخرج بنا من عمومية التوافق إلى وضوح الشراكة.

 

ستكون معالجة المسألة الاقتصادية والاجتماعية مسألة مركزية وعلى رأس أولويات برنامج النهضة الجديد للحكم، وستعمل أن تتبنى منظومة الحكم المقبلة العمل بهذه الأولوية وأن توجّه السياسات العمومية مركزيا وجهويا لمعالجة مختلف الفجوات وأن تجعل من استدامة المرفق العام وجودته في مجالات الصحة والتعليم والنقل والأمن رافعة أساسية للحفاظ على العلاقة الاجتماعية بين المواطنين وبين الجهات وأن ترصد العناية اللازمة لمنظومة الأمان الاجتماعي توسيعا وتعميقا وضمانا للموارد التمويلية.

 

ستواصل النهضة جهودها من أجل استكمال مسار العدالة الانتقالية وتحقيق كل أهدافه ومقاصده وستفتح حوارا مع كل الأطراف المعنية بهذا الملف من أجل تضمين التوافقات حوله في البرنامج التعاقدي للإئتلاف الحكومي المقبل وأن يكون بمثابة المبادئ المؤسسة لهذا التعاقد وأن يكون من أولى مهام البرنامج التشريعي للتعاقد البرامجي للإئتلاف.

 

في الجانب المجتمعي، تؤكدّ حركة النهضة أنها حريصة على تعزيز المشترك الثقافي ودعم التضامن الاجتماعي والوحدة الوطنية. وتعتبر أن القضايا المجتمعية مكون طبيعي من مكونات أجندة الانتقال العام في البلاد وتدعو النهضة إلى معالجتها معالجة هادئة ومتوازنة في إطار الجهد الإصلاحي العام في البلاد بما يحفظ تنوع التونسيين ووحدتهم في ظل مقصد عام هو اعتبار أهمية انسجام التونسيين على اختلاف توجهاتهم شرط ضروري لتحقيق التضامن بين أجيالهم وجهاتهم وميسوريهم وفقرائهم. سنعمل على أن يكون التضامن أولى الأولويات لدى السياسي وأن تكون الخيارات الاقتصادية خادمة لإعادة الإنسجام بين مختلف مكونات النسيج المجتمعي والجغرافي للبلاد.

 

ستواصل حركة النهضة من خلال وجودها في الحكم ومن خلال كتلتها النيابية إدارة الملف المجتمعي عبر سياسات عمومية تعتمد التوافقات الضرورية للمصادقة على القوانين ذات العلاقة بالمسائل المجتمعية على غرار ما قامت به في  قانون مناهضة العنف ضد المرأة وقانون الجماعات المحلية وقانون الأمان الاجتماعي وقانون محكمة المحاسبات والاثراء غير المشروع إضافة إلى إطلاق عددا من المبادرات الشريعية مثل قانون نقل العاملات الريفيات.

 

سيكون الاهتمام بالمرأة من بين أولويات حركة النهضة حيث تتقاطع قيمنا مع قيم احترام المرأة وحقوقها مثل التغطية الاجتماعية والعنف الأسري والتحرش والنفقة والمساواة في الأجور وهي حقوق في أغلبها محفوظة قانونا ومهدورة واقعا والنهضة مؤهلة لإدارة استراتيجية دفاعية وتنموية لرعاية حقوق المرأة وتعزيزها تتقاطع فيها القيم الأخلاقية مع العدالة الاجتماعية.

 

على المستوى الحزبي، وفي إطار انخراط النهضة في المستقبل، يتجه الحزب إلى تعزيز جهوده المضمونية من أجل تجويد منتجاته وخاصة في مسائل الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والإعلام والتواصل لإغناء برامج الحزب وتطوير قدراته على التشخيص وصياغة الخطاب وتعبئة الناس حول القضايا والمقاربات الوطنية والمساهمة في إثراء الخطاب السياسي العام حتى يكون رافعة صلبة لإنجاز المطلوب الوطني للمرحلة.

 

ستواصل النهضة بذل جهد مخصوص لمزيد تشبيب الحزب في مستوى المنخرطين والهياكل القيادية واعتبار ذلك أحد الأهداف الرئيسية للمؤتمر الحادي عشر، كما ستواصل دعم خيار الانفتاح على الكفاءات التونسية بمزيد تطوير قوانينها الداخلية وهياكلها بما يجعل خيار الانفتاح قوة دفع حقيقية لإغناء الحزب بطاقات وأفكار جديدة ستساهم في تطوير الحزب وبرامجه.

 

وتفعيلا لتوصيات الندوة السنوية الثانية، ستعزّز هياكل الحزب تعهدها للتجربة الناشئة للحزب في الحكم المحلي ومتابعتها ومساندتها ودعم المحليات والجهات لتعزيز الحضور الاجتماعي للحزب وتكريس اللامركزية وتطوير هياكل الحزب تماشيا مع الدور المتنامي للجهات كما سطره الباب السابع من دستور 2014 وكما عززته مجلة الجماعات المحلية.

 

أيتها النهضويات، أيها النهضويون

أحيت حركتنا منذ أيام الذكرى الثامنة والثلاثين للإعلان عنها يوم 6 جوان 1981، كما تصادف سنة 2019 الذكرى الخمسين لإنطلاق عمل الحركة. خمسة عقود من العمل الدؤوب المتواصل عرفت فيها الحركة وتونس تقلبات ومحنا عديدة، وكان لثبات الحركة على صفتها السياسية المدنية وقناعتها بأصالة الحرية في مشروعها ومحوريتها في فهم الإسلام والإنسان والواقع، دور كبير في توفير شروط قيام الثورة وانتصارها.

 

شاركنا في الحكومات السابقة للحفاظ على ما تحقق من المكاسب ولحماية المسار الانتقالي. وكانت مشاركتنا ايجابية ومسؤولة رغم أننا لم نكن في موقع القيادة ورغم الظروف الاستثنائية التي طغت على المشهد السياسي والتي أثرت على المناخ العام وعلى نسق الانجاز وثقة المستثمرين.  

 

وساهمنا من مختلف مواقعنا في الحكم في قيادة عدد من الاصلاحات والمشاريع الهامة مثل قانون تحسين مناخ الاستثمار وقانون المؤسسات الناشئة وتطوير الخدمات الرقمية وضبط أولويات البحث العلمي ودعم ملائمته لمتطلبات التنمية، وتنويع برامج التشغيل ودعم المبادرة الخاصة والانطلاق في انجاز عدد من المشاريع في الجهات واستكمال البعض الاخر،  اليوم وبعد ثماني سنوات من الثورة ومن المشاركة في الحكم والحكومة بما فيها من نجاحات وإخفاقات، يمكننا أن نقول أن تجربة النهضة هي قصة ثبات ونجاح في عالم متقلب محفوف بالمكاره والصعوبات، قصة ساهمت في صنع نجاح التجربة التونسية وهي اليوم مؤهلة للمساهمة من موقع متقدم في استكمال صنع الربيع التونسي كاملا غير منقوص يعيش فيه التونسي مواطنا حرا كريما وآمنا في دولة ديمقراطية ومجتمع متنوع.

استحقت تونس قبل الثورة أن نضحي مع أجيال من بناتها وأبنائها من أجل تحريرها من الاحتلال ثم من الديكتاتورية والاستبداد، وتستحق تونس اليوم أن نضحي من أجل استكمال أهداف ثورتها وإرساء أسس الجمهورية الثانية ومن أجل أن تستعيد تونس ألقها وهي في موقع جغرافي وحضاري متميّز في حوض البحر الأبيض المتوسط بين أوربا وافريقيا وفي مفترق حضارات تختزن أرضها الصغيرة الكثير من آثارها.

 

لقد منح موقع تونس الجغرافي لساكنيه على مرّ العصور وتعاقب الحضارات قيمة مضافة وفرصا كبيرة لإنتاج حضاري زاخر بالعلوم والآداب والفنون والمعمار وهو ما نحتاج أن نستفيد منه نحن اليوم وقد تحرّرت تونس وليس بيننا وبين أن تتحول تونس من بلد يصدّر الكفاءات إلى بلد يقدم للعالم خدمات بأفضل معايير الجودة العالمية في التعليم والصحة وغيرها إلا أن نجتهد أكثر في العمل ونحسّن من تنافسية منتجاتنا وجاذبيتها.

 

يحق لنا نحن التونسيين أن نفتخر بأن ثورتنا المجيدة، ثورة الحرية والكرامة، كانت القادح الذي أطلق شرارة الربيع العربي، ونموذج الإنتقال الناجح الذي برهن أن الديمقراطية ممكنة في العالم العربي ما دامت ممكنة في تونس.

 

نحن على يقين أن المستقبل في العالم العربي هو للحرية والديمقراطية ولدولة المواطنة والحقوق، قناعة يؤكّدها النفس الثاني لثورة الربيع العربي في كل من الجزائر والسودان. ونثمّن في هذا السياق العقلية السلمية التي يدار بها الانتقال الديمقراطي في الجزائر،  كما ندعو الأخوة في السودان إلى انتقال سلمي نحو حكم مدني ديمقراطي كما نحيي رواد الثورة في ليبيا المدافعين عن طرابلس وعن وحدة ليبيا وشعبها.

ولا يفوتنا أن نحيي المقاومة في فلسطين ونؤكّد رفضنا تصفية القضية الفلسطينية، كما نؤكّد حق الفلسطينيين والمسلمين في القدس وفلسطين ورفض كل محاولات تهميش القضية وإعطاء الحق ممن لا يملك لمن لا يستحق.

 

النهضة اليوم أكثر واقعية، ولا يضرّها أن تقيّم أداءها وأن تعرض حصائل أعمالها على التونسيين خاصة وأن الجميع يدرك مصاعب المرحلة الانتقالية وثقل أعبائها ومخاطرها. لقد بذلت النهضة وسعها وقدّمت مصلحة تونس على مصالحها، وراهنت على التوافق والترفّق بالتجربة والمسار مع إصرار قوي على تحقيق الأهداف لبناء تونس أفضل. النهضة اليوم أكثر تعلّقا بالمستقبل وأقوى عزما على رفع تحدياته ومراكمة الإنجازات وأكثر استعدادا لتوفير شروط نهضة تونس في أفق 2035. تونس المستقبل تحتاج حزبا بمواصفات النهضة قويا، متماسكا ومنفتحا على كل القوى الحية والكفاءات الوطنية، يتطلع إلى كسب ثقة الناخبين للمساهمة في تحقيق النقلة النوعية المنشودة.

 

عاشت تونس حرة كريمة ونامية وآمنة، المجد والخلود للشهداء، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته