أنت هنا

لائحة سبل "إدارة المشروع"

التخصص خيار استراتيجي

توطئة

تهدف هذه اللائحة إلى الإجابة على السؤال التالي : ما هو السبيل أو السبل الممكنة لإدارة المشروع الإصلاحي للحركة في ظل المستجدات الواقعية والمقتضيات السياسية والقانونية والإستراتيجية لمرحلة ما بعد الثورة؟ بمعنى أي كيان يمكن أن يتشكل في إطاره مشروع الحزب بأبعاده المختلفة؟ هل هو إطار الحركة/الحزب الجامع الذي يهتم، إضافة إلى الشأن السياسي، بالأبعاد المجتمعية الأخرى أم هو إطار الحزب الذي يتفرغ، فقط، للعمل السياسي ويعود لهيئات المجتمع المدني القيام على بقية الأبعاد والوظائف عن طريق مؤسسات متخصصة؟

نقاط منهجية

  • لا خلاف أن الإسلام يقوم على مفهوم الشمول في التصور باعتبار هذا الدين يقدم رؤية شاملة متوازنة لمختلف مناحي الحياة ومن كون مقاصده وتعاليمه السمحة لا تفصل من حيث الفهم بين ما هو من شأن حياة الأفراد وما هو من شأن المجتمع، فكل ذلك منصهر في رؤية للإنسان والحياة والطبيعة بقصد تحقيق السعادة في الدنيا وفي الآخرة.
  • إن المرجعية الإسلامية للحزب هي مرجعية قائمة على اعتبار ثوابت الدين ومقاصده وقيمه العليا أساسا يعود إليه الحزب في بناء تصوراته واختياراته السياسية والمجتمعية وفي مجمل الأطروحات التي يقدمها والبرامج التي يقترحها، مرجعية فاعلة كذلك في مجال التنظيم الداخلي للحزب وفي معايير التعامل مع مختلف الأطراف في الداخل وفي الخارج.
  • السؤال إذن لا يتعلق بالمبادئ المشتركة وإنما في كيفية تفعيلها ووسائلِ تنزيلها في الواقع على وجه المَأسسة بحسب التخصصات وميولات الأفراد في مختلِف المجالات والفضاءات.

المنطلقات

طبيعة الحزب

يمكن اعتبار مشروع حزب حركة النهضة، بعد المرور بمراحل من التطور الفكري والاجتماعي السياسي، مشروعا إصلاحيا حضاريا يستند إلى المرجعية الإسلامية ويحتكم إلى الدستور التونسي وسائر القوانين الوطنية المرعية المنبثقة عنه. وهو يتنزل ضمن حركات الإصلاح الوطني التي تعاقبت على بلادنا والتي كانت جزءا من ظاهرة الإصلاح العامة التي شهدها العالم الإسلامي، وأثرت في العالم بأسره. إنه مشروع يقوم على احترام هوية الشعب وإعادة الاعتبار لها في المجتمع وفي برامج الدولة، ويكرس الحرية السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية، بما يكفل حقوق التونسي باعتباره مواطنا إنسانا. وهو أيضا مشروع لتحقيق الديمقراطية التشاركية والعدالة الاجتماعية بين الفئات والجهات، وللإسهام بفاعلية في السلام العالمي وإقامة علاقات دولية عادلة ومتوازنة. وبهذا المعنى فإن الحزب يجتهد في أن يكون المشروع الوطني الذي يتعاون حاليا في بلورته مع بقية الشركاء في الوطن، مندرجا ضمن مشروع النهوض الحضاري العام الذي يُفترَض أن تعمل كل مكونات المجتمع من أجله وفي سياقه.

وعلى هذا الأساس فإن طرح السؤال حول هوية الحزب ليس مرده الاختلاف حول مرجعيته الفكرية وإنما، ضرورة البحث في أدوات إدارة المشروع الإصلاحي الذي حمله الحزب على عاتقه منذ تأسيسه الأول في شكل حركة جامعة لكل الوظائف. وهو مشروع متعدد الأبعاد، يقتضي إنجازُه مراعاة خصوصيات واقع البلاد الثقافي والاجتماعي، والاعتبارَ من حصيلة التجربة التاريخية التي خاضها، والالتزامَ بالقوانين الجاري بها العمل في البلاد.

خلاصات التجربة التاريخية

بدأ المشروع الأولي تاريخيا بحركة إحياء ديني للمجتمع التونسي ومقاومة تيار التبعية والإلحاق الثقافي بعد ما بدا يومئذ من استهداف للهوية والرموز والمؤسسات الدينية. ثم شكل إعلان "حركة الاتجاه الإسلامي" في 1981، باعتبارها حزبا سياسيا، مناسبة لطرح عدة قضايا للنقاش تعلقت بالعلاقة بين الشأن المجتمعي والعمل السياسي. وجاء مشروع الأولويات في 1986 ليعطي الأولوية للمهمة الدعوية الثقافية والاجتماعية. وأثير إشكال العلاقة بين النشاط الدعوي والعمل السياسي لأول مرة في مؤتمر 1986 حيث طرحت فكرة "الروافد" أو "المنابر" أو "الواجهات" للنقاش، نظرا إلى تطور الحركة وتوسع مناشطها واهتماماتها. لكن المؤتمر لم يتبن هذا الطرح وتبنى خيار أولوية العمل الدعوي والثقافي والاجتماعي حيث كان التأكيد على تدارك هذا البعد من أبعاد المشروع الذي تراجعت أهميته منذ بداية الثمانينات.

بعد الإطاحة ببورقيبة في 7 نوفمبر 1987، حاولت سلطة بن علي القيام بإجراءات بسيطة بغاية تخفيف التوتر القائم حول موضوع الهوية، فكان ذلك من العوامل التي جعلت الحركة تعطي أولوية أكبر للمسألة السياسية وتشارك بكثافة غير مسبوقة في انتخابات 1989.

في مؤتمر 2007 في المهجر تقرر إحالة المهمة السياسية إلى الداخل كمقدمة لعودة القيادة بالكامل إليه متى توفرت الظروف التي يقرّر أبناء الداخل أنها مناسبة. في ذلك الحين لم تختف إشكالية العلاقة بين "الدعوي" و "السياسي"، بل استمرت إلى ما بعد ثورة الحرية والكرامة، حيث وقع انقلاب في المعادلات، إذ عاد نشاط الحركة بقوة، وطرح إشكال ما سمي "بسبل تصريف المشروع" الذي تأجل البت فيه إلى مؤتمر استثنائي كان يُفترض أن يلتئم في صائفة 2014.

‌ المستجدات الواقعية

مثل المعطى الواقعي إحدى الموجهات في صياغة الخيارات وترشيد البت في شأنها. ومن المعلوم أن الثورة أسست واقعا جديدا وفر للجميع حرية التنظم الحزبي وتشكيل الجمعيات. وقد تداعت المبادرات في هذا الاتجاه وتنوعت. وكان نصيب أبناء المشروع الإسلامي منها غير قليل. إذ تعددت الأحزاب والجمعيات التي تحمل لافتاتهم، وتنوعت اتجاهاتها وأهدافها.

دخل العمل المدني سريعا تحت طائلة الجدل السياسي. ووُجهت ضده عدة انتقادات أثارت حفيظة بعض النخب في السلطة والمجتمع. خاصة مع تسجيل ارتباط عديد الجمعيات ببعض التنظيمات المتشددة التي أظهرت سريعا مواقف وأعمال متمردة على المزاج العام وتدخلت في مجالات حساسة كتربية الناشئة، والعمل الخيري الموجه للطبقات الفقيرة والجهات المحرومة، وإدارة المساجد ومحاولات الهيمنة عليها.

إبان صياغة دستور الثورة، عاشت البلاد تجاذبات حزبية وإيديولوجية في شكل "صراع" تشريعي. وكان للإعلام دور حاسم في توجيه الرأي العام نحو قضايا قديمة جديدة من مثل تحييد المساجد والعلاقة بين السياسة والدين وعلاقة الشريعة بالقانون. وقد اكتشف الإسلاميون إذاك مفارقة بين قوة حضورهم الشعبي وضعف تأثيرهم في آليات صناعة الرأي العام والقدرة على ممارسة الحكم بشكل فعلي.

كما تأكد للجميع في ذلك الخضم، أن مسألة هوية المجتمع والدولة لم تحسَم بعد بشكل نهائي في صفوف الطبقة السياسية بعد حوالي ستين عاما من الاستقلال، رغم أنها محسومة تاريخيا على المستوى الشعبي. فقد احتدت المداولات التي احتضنها المجلس التأسيسي حول الفصل الأول من الدستور، وحرية الضمير والمعتقد، والمساواة بين الرجل والمرأة... ولم يتحقق حولها توافق عريض في نص الدستور إلا بعد جهود حوارية صعبة.

من الناحية الإجرائية ضبطت القوانين حدودا فاصلة بين تنظيم المجال الحزبي وبين تنظيم الشأن المجتمعي على نحو يمنع الجمع في تولي المسؤوليات الأولى في الأحزاب والجمعيات. وقد اجتهدت الحركة في الالتزام بهذا التشريع مما أدى إلى استغراقها في العمل السياسي على حساب اهتمامها بالشأن المجتمعي.

الرؤية الاستراتيجية

من الضروري أن يكون أي خيار يمضي فيه الحزب محكوما بخلفية فكرية، وبتصور مجتمعي، وأن يصاغ ذلك ضمن رؤية استراتيجية واضحة الأبعاد ومتكاملة الجوانب، تتعلق بالشروط الحضارية العامة وبالأهداف والوسائل المضبوطة التي يقتضيها تكوين الفرد وتطوير المجتمع. وتتلخص العناصر الرئيسية لهذه الرؤية في ما يلي :

  • تنشئة الإنسان التونسي مواطنا صالحا، متوازن الشخصية، متأصلا في ثقافته الوطنية وهويته العربية الإسلامية، متسلحا بقيم العلم النافع والخلُق الحسن للرقي بذاته وأسرته وخدمة مجتمعه. وهذا ما يتطلب استثمارا معتبَرا في المعرفة والثقافة عامة، وإصلاحا جادا لمنظومة التربية والتكوين على وجه التحديد.
  • ترسيخ مرجعية دستور الثورة الذي حسم مسألة الهوية الوطنية في فصله الأول، ورفضَ كل أشكال الاستهانة بالمقدسات الدينية والحضارية والاعتداء عليها، وكفل احترامَ الحريات وإقامةَ العدالة الاجتماعية وتحقيقَ الكرامة للجميع على أساس المواطنة دون تمييز.
  • تحقيق التوازن بين سلطة الدولة وسلطة المجتمع، وذلك عبر مسارين متلازمين : يقوم أحدهما على حماية التعددية الحزبية، وحرية العمل السياسي، والتشارك في خدمة الصالح العام، والتداول السلمي على السلطة، في كنف الالتزام المطلق باحترام القانون؛ ويقوم المسار الثاني على تشجيع بناء المؤسسات المدنية القوية والفاعلة، وضمان قيام أوسع شبكة ممكنة من الجمعيات والفضاءات التي يفعّل المجتمع من خلالها أنشطته وقواه، ويكفل استقلاليته واقتداره الذاتي، ويحصن نفسه من كل محاولات تدجينه أو الهيمنة عليه. من ناحية أخرى تؤكد العديد من التجارب الديمقراطية على أهمية الدور الذي يقوم به المجتمع المدني والأهلي في القيام بجملة من الأدوار والخدمات في ظل أجواء الحرية وتزايد حاجيات المجتمع وتنوعها.
  • إذا كان كل ذلك لا يتحقق إلا في إطار دولة العدل والقانون، فإن تلك الدولة لا تكتمل مواصفاتها إلا بتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة متوازنة ومستدامة تكفل العدالة بين كل الفئات والجهات، وتوفر كرامة العيش والرفاه للجميع.

في ضوء هذه التوجهات الاستراتيجية العامة تكون هوية الحزب قد اتضحت في بعدها التجديدي المعاصر وفي علاقة وثيقة بالسياق الفكري العام للمدرسة التونسية العريقة والمستنيرة التي تمتد جذورها إلى العلامة عبد الرحمان بن خلدون في العصر الوسيط، ثم إلى حركة الإصلاح والتجديد التي عرفتها بلادنا منذ أواسط القرن التاسع عشر الميلادي، وامتدت إلى الحركة الوطنية وساهم فيها رجال أفذاذ ونساء رائدات.

خلاصة الخيار

  • إن ما انتهى إليه اجتهادنا اليوم من ضرورة التخصص بين ما هو من شأن الحزب وما هو من شأن المجتمع المدني في إطار المبادرات الحرة الفردية أو الجماعية، هو استجابة موضوعية لتطورين نوعيين تحققا على مستوى :
    • كيان الحركة من حيث المنزلة داخل المجتمع والعلاقة بالدولة ومن حيث النمو الشعبي الكبير بعد الثورة ومن حيث التطلعات والانتظارات التي تعلقت بها كطرف أساسي مدعو للمساهمة بشكل فعال في تحقيق آمال التونسيين في الحرية والتنمية والعدالة الاجتماعية والأمن الشامل والتوازن المجتمعي والثقافي والنهضة الحضارية.
    • وفي الحالة الوطنية : من حيث ما فرضته الثورة المجيدة من معادلة جديدة تقوم على مبدأ الحرية والديمقراطية والتوازن بين الدولة والمجتمع وما أكد عليه الدستور من مبادئ والتزامات تؤسس للمواطنة الحقيقية وتثبت هوية البلاد العربية الإسلامية وحماية المقدسات.
  • هذه التطورات الذاتية والموضوعية النوعية تفرض طبيعيا انتقال الحركة إلى طور طالما ناضلت من أجل بلوغه وهو طور الفاعل السياسي الوطني والحضاري ضمن علاقة جديدة مع الدولة تقوم على أساس الحرية والديمقراطية بعيدا عن صنوف التهميش والإقصاء، ومع المجتمع تقوم على أساس خدمته من موقع الفاعل في السلطة والمسهم في تقديم الحلول النظرية والعملية وتحقيق الإنجازات في مختلف المجالات والأولويات الوطنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، ومع العالم الخارجي بما يقدم نموذجا جديدا وتجربة تنطلق من منظومتنا القيمية وتسهم في السلم والتعاون الدوليين.
  • لقد انتهى الحوارَ إلى اتفاق عام على ضرورة إحداث تطور حقيقي في حركة النهضة حتى تكون قادرة على النهوض بالمهام الجديدة التي تقتضيها المرحلة، وذلك في اتجاه مزيد من الوضوح والتخصص السياسي الوظيفي لمواجهة التحديات المطروحة بكل كفاءة واقتدار. وهذا التطور يقتضي الخروج من حالة المراوحة بين الحزب والحركة الشاملة، إلى حالة حزب سياسي ديمقراطي ذي مرجعية إسلامية، وطني الانتماء، منفتح على جميع التونسيين والتونسيات، يولي العدالة الاجتماعية وقضايا التنمية أولوية قصوى في توجهاته، ويتموقع في الوسط المجتمعي العريض ويحمل تطلعات شرائحه الواسعة، ويعتمد الوسائل الحديثة في العمل السياسي والإدارة الناجعة والحوكمة الرشيدة.
  • وإذا كانت هذه شروط غير متوفرة بالكامل في الوضع الراهن، فإن ذلك يستدعي استكمالها عمليا بتطوير الحزب، وفق تلك المواصفات والضوابط والموجهات التي تستند إلى كون الحزب هو إطار لتكوين الكفاءات وصياغة البرامج وتنظيم الجماهير وتعبئتها، من أجل المحافظة على قيم الشعب والدفاع عن مصالحه الحيوية عبر تنميةٍ عادلة واحترامٍ للحريات. وينبغي أن يكون تجديد البناء وفق رؤية مستقبلية تقطع نهائيا مع الالتباس وتؤسس لعلاقة جديدة مع المجتمع والدولة.

موجهات أساسية تتعلق بتنزيل الخيار

  • إن نجاح خيار التخصص يستلزم مجموعة من الموجهات والسياسات التي تضمن الانتقال إلى الوضع الجديد. فمعالجة هذه الإشكالات تستدعي الانتباه جيدا إلى حساسيتها البالغة سواء بالنظر إلى علاقة هذا الموضوع بالوضع الداخلي للحركة أو بالنظر إلى وقعه على الرأي العام الذي يتساءل بعض صُنّاعه عن مدى الجدية في هذا التوجه.
  • إن توفر الحركة على أرصدة بشرية كبيرة وملتزمة بالقيم ومتحمسة للخدمة العامة، يمثل زادا بناء للانخراط في مجالات الفعل المجتمعي المختلفة : التربوية والعلمية والاجتماعية والدينية والثقافية والحقوقية وغيرها بصورة طبيعية وبالتزام وإخلاص، كل ذلك من شأنه أن يطور تدريجيا نسيج العمل المجتمعي من خلال المنظمات والهيئات والتنسيقيات والمبادرات المدنية التي تعمل على إحياء الثوابت وتحقيق الإنجازات.
  • وبالنسبة للعمل المجتمعي لا بد أن يكون المنهج المتبع بعيدا عن التبعية للعمل الحزبي وأن لا يدخل في المناكفات العقيمة وأن يحرص على التأليف والترشيد ودعم الوسطية الفكرية والدفاع عن هوية البلاد والتصالح بين أبناء الوطن وهذا يعني أن تكون مواقفه العامة باحثة على التوافق بين مختلف مكونات المجتمع وعائلاته الفكرية والسياسية. ومن مقتضيات ذلك الانفتاح على فئات مختلفة ورموز متنوعة فاعلة في المجتمع.
  • لذلك فالحكمة تقتضي أن يكون العمل في المجتمع المدني منفتحا وواضح المعالم من حيث المبادئ والأهداف بما يضمن استمراريته وفعله في حذر من أن يصاب بداء الانغلاق فيصير فئويا محسوبا على جهة ما أو مقطوعا عن مرجعيته القيمية فينحل ويضمحل.
  • وإن من أهم الخصائص التي ينبغي أن تتوفر في الجهد المدني والعمل الجمعياتي والمبادرات الحرة الفردية والجماعية:
    • القانونية : بمعنى التمتع بالحقوق والامتيازات التي يوفرها الدستور والقانون لمؤسسات المجتمع المدني من جهة واحترام المقتضيات التي يفرضانها من شفافية وحوكمة رشيدة.
    • الكفاءة : حتى يكون الأداء في مستوى الأهداف المطروحة، فالكفاءة شرط مهم في مدى قدرة العمل المدني على نيل المصداقية وتحقيق الإنجازات.
    • التخصص : لأن مجالات العمل المجتمعي متعددة ومتنوعة وتتطلب قدرا من الحرفية فمن المهم أن يتجه الناس إلى الفعل في الميادين التي تنسجم أكثر مع تكوينهم وميولاتهم واختصاصاتهم.
    • الاستقلالية : ليس من المصداقية أن يكون العمل المدني تابعا إلى جهة الدولة أو إلى جهة الأحزاب حتى ننأى به عن سلبيات الهيمنة والتوظيف في سياق الصراعات والمنافسات.

    قد يكون للمنظمات والجمعيات التقاء في المرجعية الفكرية مع بعض الأطراف السياسية فهذا أمر واقع وطبيعي ولكن الاستقلالية عن الأحزاب ينبغي أن تتحقق في مجال التسيير والقرار وفي مجال التمويل.

  • غير أن مبدأ الاستقلالية لا يتعارض بالمرة مع ما يمكن أن يسهم به الحزب من أدوار متعددة تؤمن مسار التخصص وتوفر له شروط النجاح ومن أهمها :
    • للنهضة دور سياسي مهم في الحفاظ على الحريات العامة والخاصة ومنها الحرية الدينية باعتبار ذلك ضمانة أساسية لكل انتقال إيجابي في البلاد ويمكن أن يمثل هذا جزءا من التعاقد الأخلاقي بين النهضة كحزب والمجتمع.
    • إن الحزب مدعو من موقعه في السلطة أو في المعارضة إلى الدفاع عن هوية البلاد العربية الإسلامية التي نصّ عليها الدستور في بنده الأول وتفعيل الفصول ذات الصلة بحماية المقدسات ورعاية الدولة للدين باعتبار ذلك من المشتركات الوطنية بعيدا عن منطق الاستقطاب أو الصراع.
    • لا بد أن يحرص الحزب على تفعيل القيم الإسلامية في البرامج والاختيارات الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والثقافية التي يقترحها من موقع الفاعل الرئيسي أو الشريك في السلطة وأن يبحث لهذه الخيارات الحضارية أوسع التوافقات السياسية والمجتمعية.
    • من الضروري أن يكون لحزب النهضة، باعتباره معنيا بإدارة الشأن العام، تصور واضح لإدارة الشأن الديني، ببيان الأدوار المختلفة لتعزيز مكانة الدين في المجتمع وترسيخ قيمه سواء ما يعود إلى مسؤولية الدولة ومؤسساتها ذات الاختصاص وفق الدستور وقوانين البلاد أو ما يتصل بمسؤولية المجتمع المدني والمبادرات الحرة في إطار التكامل المطلوب بين مختلف الفاعلين.
    • وعلى النهضة أن تسهم في تعزيز جهود الدولة في احتواء توترات الساحة الدينية وحسن إدارة تنوعها التي تحتاج إلى أجواء هادئة تسمح لطاقات المجتمع بالانطلاق في البناء الحضاري المنشود.
  • بهذا المعنى لا يكون هذا الخيار تحول الحركة إلى كيانين منفصلين وإنما هو تطور طبيعي نحو التخصص بين العمل الحزبي والعمل المجتمعي وفق ما يقتضيه القانون واختلاف طبيعة المجالين ذلك أن من حق بل من واجب كل عضو في الحزب إذا كان قادرا، أن يكون له دور في المجتمع المدني بحسب ما تسمح به مؤهلاته وميولاته. دون أن ينقص من حقوقه شيئا في الحزب باستثناء الجمع بين المسؤوليات الأولى في الحزب والجمعيات.
  • من البديهي أن العمل الحزبي وما يقتضيه من رؤى ومناهج وبرامج وآليات، لا ينقطع عن مقصد العمل الصالح خدمة للناس ومن أجل ازدهار الوطن وعز الأمة. وإنما العبرة في صدق النية وإخلاص العمل مصداقا لقوله تعالى "قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" صدق الله العظيم.