أنت هنا

لائحة الرؤية الفكرية

توطئة

مثلت حركة النهضة منذ الإعلان عن تأسيسها حركة إصلاحية تجديدية تهدف إلى تحقيق إصلاح وطني شامل ينهض بالوطن على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية والتربوية ويعمق انتماءها إلى هويتها العربية الإسلامية المنفتحة على الكسب المعرفي والحضاري الإنساني، والمستوعبة لكل ما استقام منه، وعملت منذ البداية على أن تسهم مع سائر الوطنيين المخلصين في خدمة هذا الشعب الذي نشأت من رحمه هوية وثقافة وتاريخا وآمالا، وفي القيام على مصالحه للخروج من حال الضعف والتخلّف، والانطلاق في سبل الرقي والتحضّر تترسّم في ذلك خطى المصلحين والمجدّدين الذين تعاقبوا على بلادنا عبر القرون، معتبرة نفسها حلقة من بين تلك الحلقات الوطنية الإصلاحية، حريصة على أن تكون مجمل مواقفها وتصرّفاتها وبرامجها مستمدة من الثوابت الوطنية التي نص عليها دستور الجمهورية الثانية، ومن مرجعية إسلامية أصيلة تقوم على تعاليم الإسلام ومبادئه ومقاصده العليا، ومن قراءة اجتهادية تجديدية واعية لتراثنا الفكري والحضاري من جهة وللكسب الإنساني عموما في أرقى مستوياته وفي كل مجالاته، بما يتلاءم مع خصوصياتنا الوطنية وينسجم مع القيم والمقاصد العليا للوطن من جهة أخرى.

كما تعتبر الحركة أن الدور الإصلاحي والتجديدي المنوط بها وبسائر القوى الوطنية الصادقة أصبح دورا مضاعفا بعد ثورة الحرية والكرامة التي نقلت البلاد من طور الديكتاتورية والاستبداد إلى طور التأسيس لبناء الدولة الديمقراطية القائمة على التعددية والتداول السلمي على السلطة وإدارة الخلافات عبر الحوار بدل الصراع والإقصاء. وهي اليوم بحاجة ماسة إلى تجديد رؤيتها الفكرية التي تنطلق منها وتتأسس عليها مجمل مواقفها ومقترحاتها وبرامج عملها ذات العلاقة بالواقع المعيش للوطن والمواطن. وتحرص هذه الرؤية على أن تظل منفتحة على الرؤى والأطروحات الأخرى التي تحمل مشروعات إصلاحية من زاوية نظر مغايرة ومتفاعلة معها من أجل التطوير وبناء المشترك الوطني.

أولا ـ المنطلقات المرجعية

تنطلق حركة النهضة من اعتبار الإسلام دين الغالبية العظمى من التونسيين ولا تدّعي بحال أنّها تحتكر شيئا منه، أو أنّها ناطقة باسمه، ولكنّ الاشتراك في الانتساب إلى الإسلام لا يلغي الاجتهاد في الفهم والحرص على حسن التكييف وسلامة التنزيل؛ وهي تسعى بكل جهد إلى توضيح ذلك الفهم دون مصادرة الأفهام الأخرى والاشتراك مع الآخرين في التنزيل بما يتلاءم مع المنسوب المستقرّ في ضمير الشعب التونسي عبر القرون مع منزع إصلاحي اجتهادي يقاوم في آن واحد الأفكار الميتة التي تتدثر بالأصالة وترفض المعاصرة، والأفكار المميتة التي تعتنق حداثة منبتة عن أصالة وهوية المجتمع وثقافته، وذلك خلل تسرّب من عهود التخلّف القديم والاستعمار الحديث تصدى له المصلحون أفرادا وحركات على تعاقبهم ببلادنا.

وإذ تصدر هذه الرؤية الفكرية من المرجعية العليا للإسلام التي نص عليها الدستور الذي جاء "تعبيرا عن تمسك شعبنا بتعاليم الإسلام ومقاصده المتّسمة بالتفتّح والاعتدال" والذي قرّر أن تونس "دولة الإسلام دينها والعربية لغتها"، فإنها تتفاعل في تنزيل ذلك مع واقع البلاد وخصوصيات المجتمع التونسي.

وتستند هذه المرجعية إلى قراءة تجديدية واجتهادية مؤصلة في مصادر الإسلام الكبرى من قرآن وسنة صحيحة مستفيدة من التراث الثقافي الإسلامي والكسب المعرفي الإنساني الواسع، كما تؤمن بأنّ تنزيل الأحكام والتوجيهات في واقع الحياة لا يكون تنزيلا آليا في كل الأحوال وإنما يكون في الغالب تنزيلا اجتهاديا يعتمد على اعتبار المآلات والمقاصد التي تدفع المفاسد وتحقق المصالح ضمن منهج استدلالي وسطي يجمع بين العقل والنقل ويعتمد على الموازنة بين صريح المعقول وصحيح المنقول.

ومن هذا المنطلق تسعى حركة النهضة إلى أن تكون حركة معاصرة توائم بين التحديث الإيجابي من جهة والتأصيل الثقافي من جهة أخرى. وهو منهج مطلوب بعد أن عجزت محاولات التحديث القسرية في تونس وفي العالم العربي عن تحقيق أهدافها في بناء مجتمع الحرية والنهضة الشاملة لوقوعها في عملية إسقاط وتطبيق تعسّفي، وتركيزها على البعد الأداتي البضائعي، مما يقتضي العمل على تقديم رؤية جديدة للحداثة تجنب الوقوع في مأزق المحاكاة والتقليد والتبعية.

ولئن كان الإسلام باعتباره مرجعية عليا تؤسّس عليها حركة النهضة رؤيتها الفكرية ينبني على الإيمان بالغيب في تمثّلاته المتعدّدة إلا أنّ هذا الإيمان يمتدّ إلى الإيمان بعالم الشهادة أي بما يعمر الحياة الدنيا من الأعمال، فكما أنّ هدف الإيمان أن يُسعد الإنسان في الحياة الأخرى فإنّ هدفه قبل ذلك في الزمن هو أن يسعده في هذه الحياة الدنيا؛ ولذلك فإنّ من عناصر الإيمان الأساسية التي تؤكد عليها الحركة، الإيمان بالحرية والعدل وحفظ حقوق الإنسان وعلى رأسها حقّ الحياة وحقّ الكرامة الإنسانية، والإيمان بالأخوّة والتكافل الاجتماعي والشورى، والإيمان بالسعي في الأرض للتعمير فيها بكشف قوانينها والعمل لاستثمار خيرها لإقامة الحضارة الراشدة عليها في كنف الرفق بها والحفاظ عليها ليبني الإنسان من كلّ ذلك سعادته في الدنيا.

إنّ هذه الرؤية تتأسّس على فهم للإسلام الذي هو مرجعية الحزب يسعى إلى أن يفجّر في النفوس طاقات الفهم الصحيح والإرادة الفاعلة فيكون عامل دفع فردي وجماعي إلى العلم لاستكشاف الحقائق الكونية، وإلى العمل لبناء النهضة الحضارية، خلافا في ذلك لمن أراد فهما للإسلام يشدّ إلى الخلف بدل الدفع إلى الأمام، وخلافا لمن أراده أشكالا ميّتة لا تفعل في النفوس شيئا ولا تصنع في الواقع بناء.

ثانيا ـ المنظومة القيمية:

أصبح الاهتمام بمنظومة القيم اليوم من المسائل الحيوية في ظل التدافع المتزايد بين المنظومات القيمية المختلفة التي أفرزتها العولمة، وتنامى التفاعل سلبا وإيجابا معها، وينزع هذا التدافع في الغالب إلى الإلحاق الثقافي والتنميط القيمي الذي يهدد الخصوصيات الثقافية بالذوبان والتلاشي. إن الإفلاس في عالم القيم والأخلاق بمعناها الواسع هو أقصر طريق يمكن أن يقود المجتمع إلى الهاوية مهما بلغ من التكديس في عالم الأشياء لأن ذلك إذا ما تم في انفصام عن القيم فإنه آيل إلى الإفلاس والاضمحلال لا محالة.

وحركة النهضة باعتبارها اليوم حزبا ديمقراطيا ذا مرجعية إسلامية تكون في أشد الحرص إلى ترجمة هذه المرجعية في منظومة من القيم وتمثلها في مختلف تعبيراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية حتى لا تظل تلك المرجعية شعارا فارغا لا مضمون له في الواقع. وهذه المنظومة القيمية وإن كانت لا تختلف كثيرا عن جملة القيم الإنسانية المشتركة وخاصّة منها ما يندرج ضمن مفهوم «مكارم الأخلاق» الذي هو من جوهر الرسالة الإسلامية، إلا أنها تتميز بإضفاء مضمون خاص لكل قيمة من تلك القيم المشتركة تستمده من مصادر رؤيتها الفكرية ومرجعيتها الإسلامية، وتأتي في مقدمة هذه القيم العليا التي تحرص الحركة على تمثلها والاستهداء بها قيم الحرية والكرامة والعمل والعدل والتسامح والشورى والتكافل والوسطية والإصلاح والأمانة، وهي قيم تُعَدُّ قيما مفتاحية جامعة ومتكاملة ومتضمنة لمختلف القيم والمبادئ الأخرى.

الحرية

وهي القيمة الأساسية الكبرى التي تدور حولها ومعها سائر القيم الاجتماعية الأخرى، وهي بالإضافة إلى كونها منحة إلهية فهي قيمة أصلية وحق ثابت للإنسان من غير نظر إلى لون أو جنس أو دين، كما جاء في المقولة المأثورة عن عمر بن الخطاب "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". (ابن عبد الحكم: فتوح مصر واخبارها) وتشمل الحرية كل ما يتعلق بالحقوق والحريات الخاصة والعامة التي أقرتها الشرائع السماوية والوضعية، وأكد عليها دستور البلاد مثل حرية الرأي والتفكير والتعبير والضمير والتنقل والتملك والانتفاع وغيرها، وهي قيمة ينجزها الإنسان بإرادته وكفاحه وسعيه الحثيث في سبيل كرامته، ولا يمكن أن يتحقّق للحرية معناها الحقيقي إلا حينما تكون جزءا من منظومة فكرية متكاملة يحمي بعضها الآخر. ومن أجل ذلك تحرص حركة النهضة على أن تكون هذه القيمة الأصيلة مبدأ محوريا ونبراسا لها في كل المواقف والأفكار والتصورات التي ينبني عليها المشروع المجتمعي الذي تصبو إليه.

ـالكرامة:

قيمة أخرى مرتبطة بدورها بتحقق الحرية، يراد بها توقير الإنسان واحترامه وإعلاء شأنه ومنع أي امتهان لحرمته وشرفه. والكرامة تشكل حجر الزاوية في أي مشروع نهضوي إصلاحي يتطلع إلى إحداث تحولات إيجابية في المجتمع، فلا تطوير ولا تطور دون تحقيق الكرامة الإنسانية ولا استقرار للكيانات الأسرية والاجتماعية دون الحفاظ على كرامة الأفراد، ولا تنمية شاملة في المجتمع دون حفظ حقوق وكرامة الإنسان. وكل امتهان لهذه الكرامة يعد مدخلا للكوارث الاجتماعية والثقافية والسياسية. وهذه القيمة بالنسبة لحركة النهضة مبدأ إسلامي أصيل نابع من أصل التكريم الإلهي للإنسان ﴿لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الاسراء :17/70) الإنسان كل الإنسان أيا كان رجلا أو امرأة، حاكماً أو محكوماً، فقيرا أو غنيا، حيا كان أو ميتا، مهما كان لونه أو جنسه أو دينه. ومن مقتضيات الكرامة الإنسانية المساواة بين الناس وضمان الحريات وضرورة حفظ النفس والعرض والمال ومنع الاعتداء على الآخر بأي شكل من الأشكال. إن التأكيد على مبدإ الكرامة في ثورتنا المجيدة هو انتصار للمعاني النبيلة التي يطمح إليها شعبنا ورفض لكل ألوان الظلم والاستبداد والذل والمهانة.

ـالعمـل

: إن المجتمعات الناهضة والقوية في عالم اليوم هي التي تعمل وتتسابق في الكد وبذل الجهد ويحظى العمل فيها بمكانة خاصة ومقدسة وعلى أساسه يتحدد مستوى الإنسان المعيشي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي. والعمل في التصور الإسلامي قيمة ذاتية تحتلّ درجة عليا في سلّم العبادات، وتعدّ معيارا للتفاضل بين الأفراد، فعلى قدر عمل الإنسان وجهده وبلائه واتساع دائرة نشاطه يكون نفعه وجزاؤه، فالعمل هو العنصر الفعال في طرق الكسب؛ ولذلك فهو بالتعبير الخلدوني «قيمة الأعمال البشرية»، وهو الدعامة الأساسية للإنتاج ومصدر أساسّي من مصادر الملكية والانتفاع، وهو السبيل لتقدم الأمم ورقيها وتحقيق نهضتها، ويعد من أوكد الواجبات على الفرد والمجتمع، ولكنه بالمقابل حق مشروع لكل إنسان قادر عليه، ويعتبر توفير المناخ الملائم والفرص المتكافئة لذلك من مسؤولية المجتمع والدولة في آن واحد.

العــدل

قيمة أساسية ومقصد من مقاصد الإسلام العليا ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ (النحل : 16/90) تتجه إليها كل القيم الأخرى لكونها وسطى بين الإفراط والتفريط والسبيل الأمثل للقضاء على الفساد وتحقيق القسط والإنصاف والمساواة وهو أيضا المعيار الذي تقاس به كل المواقف والسلوكيات، وهو عامل رئيسي لاستقرار المجتمعات فضلا عن كونه حافزا إلى العمل والإنتاج ومصدرا لنماء الثروة ومقياسا لنهضة الأمم والحضارات كما سطر ذلك العلامة ابن خلدون بقوله "العدل أساس العمران " و "الظلم مؤذن بخراب العمران" وبالتالي فإنه من المطلوب الحرص على تحقيق هذه القيمة والالتزام بها في كل الأحوال والمجالات : في القضاء بين الناس بالحقّ وفي توزيع ثروات البلاد وفي إتاحة الفرص للجميع وفي توفير مناخات العمل بالتساوي وإزالة البطالة وفي إدارة العلاقات الاجتماعية وغيرها.

التسامح

فضيلة أخلاقية وضرورة مجتمعية وسبيل لضبط الاختلافات وإدارتها تعني قبول الاختلاف مع الآخرين والسماح بالتعددية الثقافية والسياسية والدينية والرضا بحكم القانون ورفض الدغمائية والاستبداد والتسلط. إن عالمنا اليوم بأمس الحاجة إلى هذه القيمة العظيمة التي دعت إليها كل الشرائع السماوية وأصبحت ركيزة أساسية لحقوق الإنسان والديمقراطية لما لها من دور وأهمية في تحقيق الوحدة والتضامن والتعايش السلمي والتماسك الاجتماعي. وحركة النهضة تحرص كل الحرص على تعميم كل ذلك وغرسه في المجتمع وتوفير الأطر القانونية بما يعزز من دعمه في البرامج التربوية والإعلامية والتثقيفية وتكريسه في الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي والديني حتى تصبح هذه القيمة سارية في النسيج الاجتماعي العام.

الشـورى

الشورى مبدأ أساسي من المبادئ الكبرى لهذه الرؤية الفكرية لكونها فريضة ملزمة، والديمقراطية هي ترجمة معاصرة لتطبيق الشورى وتحقيق مقاصدها في التعددية والحوار وإدارة الخلاف والتداول على السلطة عبر نظام الانتخابات. فالشورى يمكن اعتبارها بهذا المعنى حاضنة قيمية وثقافية ينبثق عنها نظام شامل للمجتمع يندرج فيه الشأن السياسي كما يندرج فيه غيره من الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتدور الشورى واسعة بين جميع أفراد الشعب لا يٌستثنى منهم من حيث المبدأ أحد، فيشارك كلّ منهم بالرأي فيما يليه من القضايا، فتتوسّع مشاركته فيها بقدر توسّع القضية محلّ النظر.

التكافـل

يعد مبدأ التكافل قيمة إنسانية وإسلامية متميزة ونظام أخلاقي واجتماعي فريد يقوم على التعاون والتراحم والتآزر والإيثار وبناء العلاقات الاجتماعية والمعاملات المالية والاقتصادية في ضوء هذه المبادئ التي تهدف إلى التقليص من الفوارق والخصاصة والفقر وضمان مستوى معيشي لائق للشرائح الاجتماعية الضعيفة يحفظ كرامتهم وإنسانيتهم. وقد دعت جميع الشرائع السماوية إلى ترسيخ هذا المبدإ في المجْتمع وحث الإنسان على التضامن مع أخيه الإنسان كما أكدت عليه النظم والقوانين الوضعية، ولكن الإسلام تميز بإعلائه واعتباره فريضة شرعية واجبة على كل القادرين ولا سيما الموسرون حتى يقدموا على الإنفاق ومساعدة المعوزين والضعفاء والمرضى والأيتام وكبار السن والعاجزين عن الكسب بشكل عام. لذلك يجب أن يكون مبدأ التكافل الاجتماعي والتضامن الوطني مبدأ موجها لكل الاختيارات والبرامج والمعالجات التي تهدف إلى تحقيق السلم الاجتماعي والأمن الاقتصادي، وأن تهيئ الدولة الظروف الملائمة لإيجاد نظام اجتماعي تكافلي يسهم في تحقيق الكرامة لكل التونسيين.

الوسطية

هي ترسيخ نهج الاعتدال والتماس الصواب في التوجهات والاختيارات في جميع جوانب الحياة المادية والروحية بما يضمن التوازن والتكامل، وهي ليست موقفا بين طرفين متناقضين أي بين التشدد والانحلال، بل هي اعتدال بين تطرفين وعدل بين ظلمين وفوق كل ذلك هي منهج فكري وموقف أخلاقي وسلوكي يجتنب الإفراط والتفريط والغلو والتقصير والتساهل والتشدد ويتوخى التيسير لا التعسير والرفق لا العنف والتبشير لا التنفير، وسطية تلتزم بفهم الواقع قبل تنزيل الحكم، وتعتبر المآلات والمقاصد، وتؤمن بتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، وسطية تجمع بين عناصر الحق والعدل وبين العقل والنقل، وبين الإيمان بالغيب والإيمان بالشهادة وتلائم بين الأصالة والمعاصرة وتحرص على الجوهر قبل الشكل وعلى فهم النصوص الجزئية في ضوء المقاصد الكلية والتمسك بالمبادئ مع المرونة في الوسائل. إنها المنظار أو العدسة اللامعة للرؤية بدونها لا يمكن إبصار الحقيقة وتبين الصواب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ (البقرة : 2/143).

الإصلاح

كل حركة تحمل مشروعا إصلاحيا بأبعاده المختلفة يجب أن تولي لقيمة الإصلاح مكانتها المطلوبة في بنيتها المعرفية وأرضيتها الفكرية، هذه القيمة التي أضحت اليوم بحكم استشراء الفساد وتعطل النهوض ضرورة حياتية ورسالة وطنية وفريضة شرعية لها أهمية كبيرة في حفظ مسيرة المجتمع وصيانة منطلقاته وثوابته وأهدافه، ويجب أن تكون هذه القيمة منهجا شاملا حقيقيا وأصيلا في مختلف المجالات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية والتربوية والتعليمية ولا يكون منهجا مجزوءا ولا نخبويا ولا مستوردا ولا مفروضاً من الخارج، متفاعلا مع التجربة الإنسانية في مختلف المجالات، "فالحكمة ضالة المؤمن"(اخرجه الترمذي وابن ماجة). وتونس مع كونها من الأقطار الرائدة تاريخيا في مجالات وجهود الإصلاح فإنها اليوم بأمس الحاجة إلى دفعة إصلاحية جديدة تلامس كافة المجالات منطلقها تغيير الأنفس﴿ان الله لا يُغير ما بقومٍ حتى يُغيروا ما بأنفسِهِم ﴾ (الرعد:13/11) ومبتغاها وإرادتها الإصلاح ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (هود:11/88).

الأمانة

تعني تحمل المسؤولية والكفاءة والقيام بالواجب، وهي قيمة حضارية وضرورة إنسانية وشرعية، والتزام مجتمعي، وحاجة أساسية لإدارة الشأن العام ومحاصرة الفساد وتحقيق الحوكمة الرشيدة. وبهذا المفهوم فإن الأمانة والمسؤولية صنوان لا ينفصل أحدهما عن الآخر فهي فعل وقدرة على حسن الأداء والوفاء بالالتزامات بمعايير مضبوطة وبمؤشرات محددة فيرتبط تقييم الإنجاز بمخرجاته وبعنصر الوقت الذي يحتاجه وبمستوى الإتقان. إنها القدرة على الالتزام بالتكاليف والتعهدات، وإنجاز المهام بشروط معلومة.

الأمانة بهذا المفهوم، أصابها نوع من الاعتلال الأخلاقي بدت مظاهره واضحة في عدم تقدير قيمة المسؤولية، وإهدارها، والتهرب من تبعاتها، وانتشار السلبية واللامبالاة عند الكثير من فئات المجتمع، ولا سيما عند عدد غير قليل ممن يتولون المسؤولية، إلى جانب ما أصاب مسألة المساءلة والمحاسبة من ضعف،إن استدعاء هذه القيمة الأساسية في الرؤية الفكرية ضرورة نظرا لما ينتظر الحركة من دور في الحاضر والمستقبل.

تحرص حركة النهضة على أن تكون هذه المنظومة القيمية السامية نبراسا لها وموجها هاديا لكل برامجها وخططها من أجل تحقيق الأمن الشامل للتونسيين جميعا بأبعاده المختلفة ولا سيما الأمن الاجتماعي المتعلق بالحرية الفردية للمواطن والاستقرار العام للبلاد وكذلك الأمن الغذائي المتعلق بتوفير القوت والحاجيات الغذائية الأساسية وهما ركيزتان أساسيتان لا غنى عنهما لتحقيق الرفاه الاجتماعي أو الحياة الطيبة بالمفهوم الإسلامي من أجل النهوض والإقلاع ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ ( قريش: 106/43).

ثالثا ـ المضامين الأساسية للرؤية الفكرية:

على ضوء تلك المنطلقات المرجعية، وتلك المنظومة القيمية تتحدّد الرؤية الفكرية في المضامين التفصيلية في مختلف المجالات على نحو ما يلي:

ـ الإنسان والبيئة الكونية:

تقوم الرؤية الفكرية لحركة النهضة على تصوّر إيماني مبني على تعاليم الإسلام الكبرى، وهو تصوّر يحدّد الموقف الإيماني في حقيقة الوجود والكون، وحقيقة الإنسان والحياة، وحقيقة العلاقة بين هذه الأطراف، ومن هذا التصوّر تنبثق كلّ العناصر التي تشتمل عليها الرؤية، ومنها تتحدد الموجهات التي تساعد على صياغة البرامج والخطط ومشاريع الحركة في مختلف وجوهها، فكلّ المذاهب والمدارس الفكرية مهما بدت متمحّضة للواقع إنما هي نتاج على نحو أو آخر لخلفية فلسفية في تصوّر حقيقة الوجود والكون والإنسان، والخلفية الفلسفية لرؤية الحركة في أبعادها العملية إنما هي التصوّر الإيماني لهذه الحقائق. ويرتكز هذا التصور الإيماني على رؤية واضحة للعناصر الأساسية: الكون والحياة والإنسان والبيئة، ومصدر ذلك كله هو الخالق سبحانه المالك لكل شيء الذي سخر الكون وما فيه لخدمة الإنسان، فكرّمه واستخلفه لعمارة الأرض ويسّر له سبل الانتفاع بكل الموارد. وهذا التسخير وهذا الاستخلاف يجعلان الإنسان يحس بالمحبة والسلام والانتماء للطبيعة ويجعلانه حريصا على تعميق معرفته بالكون وتطوير تفكيره العلمي والتدبر الواعي في السنن الكونية الثابتة والسعي لاستكشاف آيات الخالق في الآفاق وفي الأنفس من خلال سلاح العلم والتعلم الذي زوده به الخالق سبحانه. ويصبح الإنسان يتصرف برقابة ذاتية كمستخلف عن المالك الحقيقي حتى لا يحيد عن إرادته، كما يكون مرتبطا بالضوابط التي وضعها له ضمن تصور عام يعتبر الحياة الدنيا قاطرة نحو الحياة الآخرة التي خلق من أجلها وهو في هذه المسيرة مطالب بتحقيق التوازن بين الحياتين إعمار الدنيا وطلب الآخرة دون زهد في الأولى أو إهمال للثانية، فالحياتان متكاملتان مترابطتان، الأولى للزرع والثانية للحصاد.

وبناء على هذا التصور يحرص المؤمن على الاستقامة والاعتدال في الدنيا لنيل أكبر قدر ممكن من الثواب في الآخرة ويستمر في العمل والكدح إلى آخر لحظة من عمره لكونه مطالبا بأن "يعمل للدنيا كأنه يعيش أبدا وأن يعمل للآخرة كأنه يموت غدا" (اخرجه البيهقي في سننه) ويستثمر كل ذلك في الحياة وبعد الممات "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ..." (أخرجه مسلم في صحيحه). ويترتب على هذا التكريم الإلهي للإنسان مبدأ المساواة بين الإنسان وأخيه الإنسان بغض النظر عن جنسه ولونه وأصله ودينه وعقيدته ومركزه وقيمته في المجتمع لأن الكرامة الإنسانية حق يتمتع به الجميع دون استثناء ﴿لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الاسراء: 17/70). ومن أجل ذلك كفل الإسلام للإنسان أن يعيش آمنا لا يعتدي عليه أحد ومنعه من الاعتداء على الآخرين وحمله مسؤولية شخصية عن كل تصرفاته وتعاملاته وأمره بالعدل في كل الأمور ﴿إن الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل 16/90) وحرم عليه الظلم ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ (الفرقان:25/19).

وقد شدّد الإسلام على ضرورة الإصلاح في الأرض وعدم الإفساد فيها لتتحقق من خلال ذلك العلاقة السوية والمتوازنة التي تصون البيئة فيسعى فيها الإنسان إذن بالرفق، ويحافظ عليها وعلى مقدّراتها من التبذير، ويتصرّف فيها بما يجنّب الخلل في توازنها، وبما يعصمها من التلوّث المفسد، فيضمن إذن استدامة صلاحها لإعالة الأجيال الإنسانية ما بقي الإنسان. إن سلوك الإنسان الخاطئ وغير الرشيد في تعامله مع موارد البيئة جعلها تتعرض لخطر شديد، وما يعانيه العالم اليوم من مشكلات ومخاطر بيئية هي نتاج للاستغلال المدمّر والمستنزف لِمواردها.

المحيط الإنساني

انطلاقا من هذا التصور العام للإنسان والكون والحياة تتنزل رؤية الحركة إلى محيطها الإنساني القريب والبعيد الذي تتحرك فيه ، فالحركة تحرص على إقامة علاقات إنسانية منفتحة قائمة على أساس التعارف والتعاون بين شعوب العالم والتعايش السلمي بين الأمم وتحقيق المصالح المشتركة وتبادل المنافع وإرادة الخير للجميع والسعي فيه ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وتؤكد الرؤية أولوية خروج أمتنا العربية والإسلامية من واقع الانقسام والتمزق والصراع، من خلال تنقية الأجواء بين أقطارها ووضع حد للنزاعات المسلحة، واللجوء الى الحلول السلمية، بعيدا عن التدخلات الخارجية الهادفة إلى زعزعة أمن المنطقة واستقرارها. كما يستوجب وضع حد للاقتتال الداخلي والتصدي لنزعات الطائفية ولظاهرة الارهاب ضمن مقاربة شاملة ورؤية استراتيجية واعية بأخطاره وتداعياته والأطراف المحركة له. لذلك فإن التعاطي مع القضايا الوطنية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الأوضاع المحيطة بنا وللمعادلات الإقليمية والدولية.

البيئة المجتمعية

ويقصد بها رؤية الحركة للمجتمع بمختلف مكوناته وعلاقات بعضها ببعض وتحديد مهامه ودوره في تنشئة الأفراد وبناء المؤسسات ومن ثم تكوين الإنسان الفاعل المنوط به نهضة المجتمع ورقيه، فلا يكون تصوّر للمجتمع بهذا المعنى إلا ضمن علاقته بالفرد من جهة وبالدولة من جهة أخرى، وفي ضوء ذلك تنطلق كلّ تصوّرات البناء المجتمعي، وتبنى كلّ التنظيمات المجتمعية، ويحمّل الإنسان على أساسها كثيرا من التكاليف مع ما يستتبع ذلك من تحمل للمسؤولية. وتقوم هذه الرؤية المجتمعية على ما يلي:

  • تكوين الإنسان الفاعل: للفرد في المجتمع قيمته المقدّرة باعتبار إنسانيته بقطع النظر عن الجنس أو اللون أو الدين، وهو لذلك جدير بالتكريم، حريّ بإجلال الإنسانية فيه، مطلوب في حقّه تلبية المقتضيات المادية والمعنوية لتلك الإنسانية، ممنوع أن يمارس عليه أيّ ضرب من ضروب الاعتداء الذي يهين إنسانيته. وللإنسان الفرد أبعاد متعدّدة منها ما هو مادي وما هو روحيّ، اختزن الخالق في كليهما مطالب فطرية مادية كالغذاء والكساء ومعنوية كالأمن والتعلّم والحرية والكرامة، يعد العمل على تلبيتها أمرا واجبا على الأسرة والمجتمع والدولة التي يعيش فيها فضلا عن المنظومة الإنسانية التي يعتبر جزءا منها، والغاية القصوى في ذلك ألا يبقى في المجتمع فرد من الأفراد يعيش الخصاصة المادية أو الروحية، أو يعيش المهانة والقهر، فيكون إذن فردا معطّلا عن أداء المهامّ التي وجد من أجلها. ينبغي أن يُعدّ الإنسان بالتربية والتوجيه والتعليم إعدادا تنمّى فيه الشخصية وتروّض فيه منازع الأنانية، ويُبرز فيه التميّز، وتستخرج فيه الطاقات فيمضي نحو أبواب الريادة والإبداع، كما ينبغي أيضا العمل على إعداد الإنسان الفرد إعدادا مجتمعيا ليتحقق به الانسجام والتكامل وتُنمّى في نفسه المساحة التي تنفسح للغير بالقبول، ويُربّى على الاهتمام بالشأن العامّ والمشاركة بالرأي في تدبيره، والانخراط في هموم المجتمع والمشاركة بالفعل في حلّ مشاكله، بما يحقّق للمجتمع التوافق والتكامل والنموّ.
  • بناء المجتمع المتماسك: الأسرة هي اللبنة الأولى التي يتكوّن منها البناء الاجتماعي، تتأسّس على ما تقتضيه الفطرة السليمة بمقتضى التعاقد والشراكة الزوجية التي تقوم على التراضي والتعاطف والتراحم والسكينة والتعاون، وتضبط حقوق كلّ طرف من أطرافه في استيفاء حاجاته المادية والمعنوية، وواجباته في تقاسم الأعباء والاشتراك في المسؤولية. ولذلك مطلوب من المجتمع أن ييسّر سبل انعقاد الأسرة مادّيا ومعنويا، ابتداء من الأهل والأقارب ومرورا بالمنظمات المجتمعية وانتهاء إلى الدولة الملزمة بحماية الأسرة وفق ما نص عليه الدستور. كما هو مطلوب أيضا حماية الطفولة، وتوفير الرعاية الشاملة لها، ومنع استغلال الأطفال في العمل، والعناية الفائقة بالأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة، وتأمين سبل تعليمهم، وإعداد البرامج المناسبة لتأهيلهم وتدريبهم بما يتناسب مع قدراتهم وإمكانياتهم، وسن القوانين والتشريعات الضامنة لذلك. وللمرأة في الأسرة وفي المجتمع مقام معتبر، فهي شقيقة الرجل في الخلق "النساء شقائق الرجال" (أخرجه أحمد في مسنده والترمذي وأبو داود) ، وصنوه في التكريم ﴿لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾ ( الاسراء :17/70) وفي أمانة التعمير في الأرض بكلّ سبل التعمير، ومساوية له في التكليف بالواجبات وفي الحقوق والمكتسبات ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة 9/71)و﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ( النساء : 4/32) . وتحرص هذه الرؤية كل الحرص على تثبيت المكتسبات التي تحققت للمرأة في بلادنا على جميع المستويات التعليمية والحقوقية والثقافية والسياسية وغيرها، كما تحرص على دعمها وتطويرها بما يعزز مكانتها في المجتمع ومشاركتها في النهوض بأوضاع البلاد عامة. وترفض كل أشكال العنف والاضطهاد المسلط عليها وأي ضرب من ضروب التمييز في مجالات العمل وفي المشاركة السياسية وغيرها.
  • إقامة المؤسسات المدنية: وبالإضافة إلى مؤسّسة الأسرة فإنّ من مقتضيات بناء المجتمع المتين أن تتأسّس فيه المنظّمات المدنية المتعدّدة الاختصاصات: علمية واجتماعية وثقافية واقتصادية ونقابية ورياضية...، يقوم كلّ منها بدور معتبر في معركة البناء، فتكون كلّها قوى اجتماعية تتضافر جهودها لتكوّن المجتمع القوي الذي يكون بها قوّة اقتراح رائدة، وقوّة حراك مجتمعي تشاوري ينبض بالحيوية، وقوّة إنجاز عملي لما ينعقد عليه التراضي، بل قوّة لحفظ المجتمع من الفوضى والانحلال عندما تنشب فيه أسبابها. ولا ينبغي أن يكون هذا الإعلاء من شأن المجتمع سببا في الجور على الفرد بقمعه والانتقاص من حقوقه والتحديد من طاقاته ومقدّراته، وإنما تضبط هذه المعادلة في حقوق كل طرف وواجباته ضبطا دقيقا لتكون مفردة هامّة في النظام التربوي ينشأ عليها الأفراد طوعا، كما تكون مفردة هامّة في مدوّنات القانون تضبط العلاقة بين الفرد والمجتمع للعمل بها إلزاما. ولذلك فان المجتمع المدني بمفهومه المعاصر ومواصفاته وأهدافه، أضحى سلطة اجتماعية لا يستهان بها تُعبر عن رسالة اجتماعية متجهة نحو بناء الأسس التحتية للمسيرة الديمقراطية، من خلال نشر القيم والأفكار والممارسات التطوعية والخيرية والدفاع عن حقوق الإنسان والتعاضد المتبادل بين أفراد المجتمع. ويقوم على مبادئ المواطنة الفعالة والمشاركة العاملة على التوفيق بين المصالح الخاصة المتباينة من أجل الصالح العام، كما أضحى له دور هام وفعّال في توجيه الدولة نحو الصواب فيما لو انحرفت مؤسساتها عن تطبيق نصوص الدستور والقوانين بشكلها الصحيح. ولا ينجح المجتمع المدني في الاضطلاع بهذا الدور إذا لم يحظ قطاع الشباب فيه بمكانة مرموقة لأن الشباب هو الطاقة الفاعلة في المجتمع، وهم أغلب الحاضر وكل المستقبل، وخاصة في مجتمع أكثر شرائحه العمرية من الشباب كمجتمعنا، لذلك يقتضي العمل على تكوين الشخصية الشبابية المتوازنة، والقائمة على قيم الحق والخير والحرية والديمقراطية، وإبعادهم عن كل الأجواء والمسالك التي تحيد بهم عن هذه المهمة، وذلك من خلال سن التشريعات المناسبة، والتوسع في إنشاء المؤسسات الشبابية والجمعيات الرياضية وغيرها. كما يجب تشجيع الشباب على الانخراط في العمل المدني وفي الأحزاب السياسية، وإيجاد المناخ المناسب لذلك والعمل على إعداد الشباب وتعبئته علميا وثقافيا ودينيا، وذلك لحماية طاقاته من أن تبدد في غير مكانها، أو تنساق في غير اتجاهها وبناء الكفاءات الوطنية القادرة على العمل والإنتاج والقيادة والدفاع عن الوطن.
  • العلاقة بين المجتمع والدولة: إنّ العلاقة بين المجتمع والدولة هي علاقة التعاون والتكامل في مشروع البناء الحضاري، ولكنّ المجتمع هو الأصل، فهو الذي تكون منه مبادرة الاختيار الحرّ لمضامين المشروع الوطني، ثمّ هو ينتدب الدولة للقيام عليه، ويمكّنها من سلطة الإدارة والضبط والتأمين، ويبقى كلّ منهما يمارس دوره الموكول له، لا تجور الدولة على المجتمع ولا يجور المجتمع على الدولة، في معادلة دقيقة تقوم بين الطرفين يؤدي فيها كلّ طرف دوره الموكول له في كنف الوحدة في الغاية والتكامل في الأداء. تلك سنّة سنّتها الأمّة الإسلامية في إنجاز حضارتها المشهودة، فتلك الحضارة لئن كان روّادها في الابتكار العلماء والمفكّرين إلاّ أنّ الخيار فيها كان للأمّة والتنفيذ المباشر كان من فعلها، والدولة إنما كانت مهمّتها الرعاية والتأمين، بل في بعض مفاصل التاريخ حتى حينما أخلّت الدولة بواجبها في هذا الشأن لانشغالها بالفتن السياسية كان المجتمع ماضيا في القيام بمهمّته لما توفّر عليه من قوّة دفع ذاتية، فهذه السنّة الحضارية هي التي ينبغي السير على خطاها والعمل على تطويرها وتحديثها.

الاقتصاد والتنمية

تؤمن الحركة بأنّ الاقتصاد هو أحد أكبر روافع النهضة وأهمّ أعمدتها، وهي كما تولي اهتمامها بالأسباب المعنوية للنهضة حرية وكرامة وحقوقا وفكرا وتكافلا اجتماعيا متينا فإنها تولي نفس القدر من الاهتمام للدور الاقتصادي للنهضة الحضارية وتقدّم فيه رؤية نظرية نابعة من أصول إسلامية مؤسّسة وكسب إنساني ثري وهذه الرؤية تقوم على العناصر التالية:

  •  
  • جوهر المشكلة الاقتصادية: يرتبط مستوى التقدم أو التخلف الاقتصادي في المجتمعات المعاصرة بجملة من العوامل الجوهرية من أهمها النظرة التحليلية لأصل المشكلة الاقتصادية وسبل معالجتها. وقد أثبتت التجربة التاريخية والعملية قصور النظرة التقليدية السائدة التي تربط المشكلة الاقتصادية بموضوع الندرة (أي ندرة الموارد مقابل تزايد الحاجيات) أساسا دون النظر إلى العوامل الجوهرية المرتبطة بسلوك الإنسان فردا أو مجموعة والتي كثيرا ما يتم توظيفها لتبربر الفوارق المجتمعية والتوزيع غير العادل للثروة؛ ولذلك فإن رؤية الحركة تنطلق في هذا الجانب من أن أصل المشكلة الذي يكمن في سلوك الإنسان وتصرفاته وما يرتبط بها من ضروب الحيف والفساد والظلم والبغي والأنانية أي﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ ( الروم: 30/41) وهو ما يترتب عليه برنامج إصلاح اقتصادي جذري وشامل يقطع مع الفساد والإسراف والتبذير وهدر الثروة ويستهدف التوجيه الأمثل والأكفأ للموارد وتحقيق التوازن بين مختلف قطاعات الإنتاج.
  • نظام الملكية: ومن العوامل المؤثرة أيضا في مستوى التقدم والنمو موضوع الملكية والنظام الذي يوجهها والذي له دور كبير في تنشيط الدورة الاقتصادية ورواج الثروة. وفي هذا الإطار تتأسّس رؤية الحركة على تصور خاص للملكية يختلف عن التصورات التقليدية السائدة، وهو تصوّر يقوم على مفهوم الملكية المزدوجة ذات الأشكال المتعددة والمتكاملة والتي تحترم فيها ملكية الفرد بقدر ما تحترم ملكية الدولة والملكية العامة ويتحقق من خلالها التعايش الإيجابي بين القطاعات الثلاثة الخاص والاجتماعي والعام، دون تنافر أو تصادم وتنتهي بها مسألة التنازع بين خيارات التأميم والخوصصة التي لم تجن من ورائها البلاد سوى التعثر والاضطراب.
  • سبل توليد الثروة : مثلما يرتبط إنتاج الثروة بالعمل والجهد الفردي والجماعي في مختلف المناشط والقطاعات فإنه يرتبط أيضا بمنظومة التبادل وعلاقات الإنتاج التي تساهم في تحريك الدورة الاقتصادية وتعظيم المنفعتين الخاصة والعامة في إطار تحقيق المقصد الشرعي المرتبط برواج المال ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ (الحشر :59/7) ، وتدعيم التكامل بين القطاعين المالي والاقتصادي وتوظيف الأول لخدمة الثاني وليس العكس مثلما يحدث اليوم من طغيان فاحش للاقتصاد الرمزي على حساب الاقتصاد الحقيقي أضحت بموجبه المديونية سرطانا اقتصاديا خطيرا يهدد الشركات والمؤسسات مثلما يهدد الدول بالإفلاس والانهيار.
  • نظام التوزيع: ولئن كانت الملكية محركا مهما للدورة الاقتصادية فإن النظرة إلى مكافأة عناصر الإنتاج بمعنى التصور العام للتوزيع وتحديد عائد كل من العمل ورأس المال هي من المسائل المهمة التي يتحدد على أساسها مستوى الاستثمار وتحريك رأس المال وإنتاجية العمل أو رأس المال البشري وبشكل عام العلاقة بين القطاعين المالي والاقتصادي. وتستند هذه الرؤية في هذا الباب بالذات إلى نظام المشاركة في العائد وتقاسم المخاطر بدلا من تحويل المخاطر. ه ـ المنوال الاقتصادي: في إطار هذه المرتكزات والموجهات فإنّ المنوال الاقتصادي الذي تراه حركة النهضة كفيلا بإخراج الوطن من الوضع الذي هو فيه والمضيّ به في طريق الإقلاع والنهضة الحضارية الشاملة هو الذي يتوفر على جملة من الخصائص والمواصفات من أهمّها :
    • أن يكون منوالا متلائما مع هوية المجتمع وقاعدته الثقافية الشعبية : دينا ولغة وتاريخا وانتماء، فتلك القاعدة المتأصّلة في الشعب هي التي تجعله متفاعلا مع المتطلبات الاقتصادية، ماضيا بها إلى الإنجاز في دافعية ذاتية وتضحية وطموح نحو الأفضل، أما إذا كان المنوال الاقتصادي مسقطا عليه من خارج القاعدة الثقافية الشعبية فسيقابل بالرفض أو الاستقالة من الأداء الاقتصادي أو بردود فعل انتقامية أو بغير ذلك من مظاهر الرفض. وقد بيّنت التجربة كما بيّنت البحوث العلمية فيما أصبح نظرية في الاقتصاد ما يكون عليه المنوال الاقتصادي من نجاح وما يعكسه من نمو إذا انبنى على القاعدة الثقافية الشعبية وما يكون عليه من قصور إذا كان بخلاف ذلك.
    • أن يكون منوالا قائما على مبدإ الحرية الاقتصادية أساسا، حرية الإنتاج والتملّك والتصرّف، فالحرية هي الدافع الأكبر للمبادرة والابتكار والإبداع، وهي المحفّز الأكبر لفطرة التملّك، وهي بالتالي السبب الأساسي لإنتاج الثروة، ولكنّ هذه الحرية الاقتصادية هي الحرية الرشيدة المنضبطة بحقوق المجتمع ومصالحه التي تقتضي أحيانا التوجيه والتدخل من قبل الدولة سواء في ذلك حرية الأفراد أو حرية الفئات والمؤسسات والمنظمات، والتجارب القريبة والبعيدة شاهدة على أنّ اقتصاد الأوطان يبوء بالفشل في الغالب الأعمّ إذا بُني على أساس القمع والتوجيه القسري.
    • أن يكون منوالا قائما على اقتصاد السوق الاجتماعي، الذي هو في الجوهر يجمع بين نظام الاقتصاد الحر القائم على آلية السوق والمبادرة والفعالية وبين الحاجة إلى العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص يكون للدولة فيه دور التعديل والرقابة والتدخل عند الاقتضاء و يكون للمجتمع فيه دور هام في الدورة الاقتصادية وهو ما يتوافق تمام التوافق مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي التي تختلف مع النموذج الليبرالي المطلق من جهة ونموذج الاقتصاد الموجه المعتمد كليا على الدولة من جهة ثانية وذلك من خلال إحداث التوازن الهيكلي عبر تطوير منظومة القطاع التضامني غير الربحي القائمة على نظام التكافل والزكاة والوقف وغيرها.
    • أن يكون منوالا اقتصاديا قائما على العلم واقتصاد المعرفة، يأخذ البحث العلمي فيه حيّزا مقدّرا، ابتداء من الدراسات العميقة التي تُبنى عليها كلّ الخطط والمشاريع الاقتصادية في مقدّراتها وجدواها ومآلاتها، ومرورا بوسائل التنفيذ وآلياته باستعمال التقنيات الحديثة ومواكبة تطوّراتها وضبط الإجراءات الإدارية والقانونية وإحكامها، وانتهاء بتقييم الجدوى وتعديل المسار كلما اقتضى الأمر ذلك. كما يجب أن يكون ضمن هذا المنوال حيز هام لما أضحى يعرف بالاقتصاد المعرفي أو الاقتصاد الجديد وهو الاقتصاد الذي يرتكز على المعرفة الفنية، والإبداع، والمعلوماتية والذكاء المتجسد في برامج الكمبيوتر والتكنولوجيا وهي منتجات ذات أهمية تفوق أهمية رأس المال، أو المواد أو العمالة المتعارف عليها في الاقتصاد التقليدي.
    • أن يكون منوالا اقتصاديا منفتحا على العالم، متفاعلا معه تفاعلا إيجابيا يستفيد منه ويفيد، قائما على قاعدة التوسيع : توسيع الشراكات مع الفضاءات الإقليمية والدولية، وتوسيع القطاعات الإنتاجية والعمل على إضافة قطاعات جديدة وتوسيع دائرة الفاعلين في الاقتصاد (القطاع العام، القطاع الخاص، القطاع الاجتماعي) وتوسيع مصادر التمويل عبر الانفتاح على المنتجات المالية الإسلامية وتوسيع المضامين القيمية للمنوال كما يولي الاهتمام الأكبر للناس بحيث تتلاشى فيه صور الظلم الاجتماعي والاعتداء على حقوق الأجيال القادمة وتنتفي فيه كل الممارسات الخاطئة ذات الصلة بالنشاط الاقتصادي إنتاجا وتوزيعا واستهلاكا، كل ذلك أمر ضروري وشرط مسبق لتحقيق تنمية حقيقية وعادلة ومستدامة.

السياسة والدولة

إذا كانت الدولة ضرورةً من الضرورات التي تقتضيها أمانة التعمير والبناء الحضاري، فإن الشواهد التاريخية تدل على أنّ التقدّم الحضاري يتناسب في الغالب الأعمّ مع قوّة الدولة ومدى رشدها في الحكم. ويمكن أن تتّخذ الدولة بما هي سلطة سياسية ونظام حكم وقوانين لتدبير الشأن العام أشكالا مختلفة كأن تكون ملكية أو استبدادية أو تيوقراطية أو جمهورية. والدولة كما تراها حركة النهضة هي الجمهورية الديموقراطية التي يؤسّسها جمهور الناس ويمتلكون فيها السلطة التي يملّكونها لمن يرتضونه من بينهم ليسوسهم بها وفق إرادتهم فيما يختارون من نمط لحياتهم في وجوهها المختلفة، بحيث تكون مؤسّسة على المبادئ والأسس التالية:

  • الخيار الشعبي : الدولة التي تكون أقرب إلى الرشد في تصريف شؤون الناس وفي المضيّ بهم إلى إنجاز مهمّة التعمير هي الدولة التي تكون مؤسّسة على أساس الخيار الشعبي القائم على الإرادة الحرّة، فلا تكون الدولة إذن إلا انعكاسا للإرادة الشعبية، ولا تكون سيادتها إلا سيادة الشعب مفوّضة إليها من قِبله، تلك هي رؤية حركة النهضة للدولة كما ينبغي أن تكون، وذلك هو مفهومها للدولة المدنية التي قرّرها دستور الجمهورية الثانية. وعلى هذا الأساس فإنّ الدولة هي الأداة التنفيذية لخيار الإرادة الشعبية. من أجل ذلك تسعى هذه الرؤية السياسية للإسهام في إرساء دعائم هذه الدولة التي تقوم على الحوكمة الرشيدة تتشارك في بنائها سائر القوى الوطنية في إطار مشروع شامل للإصلاح والنهوض الحضاري يعتمد على قيم الحرية والعدل والكرامة والمسؤولية والشفافية والمساءلة والوطنية والعمل والأمانة والتشاركية والتضامن، ويرتكز أيضا على فكر سياسي استراتيجي متميز ومؤصل وخطاب يحرص على التوازن والمصداقية والعقلانية والاعتدال وفاعلية في المبادرة والتأثير وعلاقات دولية نشطة ومنفتحة.
  • المواطنة: في ظل الدولة الرشيدة التي تقوم على احترام الحقوق والالتزام بالواجبات تتحدد العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس المفهوم المعاصر للمواطنة الذي يعني صفة المواطن الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات التي يفرضها عليه انتماؤه إلى الوطن، فالمواطنة هي الشعور بالانتماء والولاء للوطن وهي علاقة بين الفرد والدولة كما يحددها القانون متضمنة ومترتبة من الحرية وما يصاحبها من مسؤوليات وتسبغ عليه حقوقاً سياسية مثل حقوق الانتخاب وتولي المناصب العامة وغيرها. وتعتبر واجبات المواطن نتيجة طبيعية ومنطقية وضرورية في ظل نظام المواطنة، الذي هو نظام ديمقراطي يتساوى فيه الجميع أمام الحقوق والواجبات والخدمات دون تمييز بأي اعتبار. ومن هذه الواجبات: دفع الضرائب للدولة، وعدم التملص منها واحترام القوانين والعمل بها والدفاع عنها في وجه انتهاكها. وعلى المواطن أن يدافع عن الدولة والوطن وأن يعمل على تنميته والمحافظة على ممتلكاته وممارسة المواطنة هي الضامن الوحيد للدخول إلى دولة العدل والديمقراطية.
  • الديمقراطية: وينبغي أن يكون الخيار الشعبي خيارا حقيقيا قائما على الديموقراطية التي تدور فيها الشورى واسعة بين أبناء الشعب ومنظماته المجتمعية والسياسية، وتُضمن فيه الحرية لجميع الأطراف في عرض آرائها ومشاريعها وخططها ومرشّحيها، كما يُضمن فيه تكافؤ الفرص بينها في ذلك العرض حينما تتدافع في حلبة التنافس السلمي. ولا يمكن للديموقراطية أن تؤدّي هذا الدور الذي تضمن فيه إفراز خيار شعبي هو أقرب إلى حقيقته إلا إذا أصبحت ثقافة عامّة. وإذا كان الحوار هو أحد أهمّ الأدوات في العلاقات السياسية بصفة عامّة فإنه حينما يتحوّل التدافع السياسي إلى اختلاف حادّ بين الأطراف المختلفة ويصبح مهدّدا للاستقرار مؤذنا بالفوضى فإنّ مسلك الحوار هو المسلك الضروري والأوكد الذي ينبغي الاحتكام إليه، ابتداء من رفض الإقصاء واعتراف كلّ طرف بحقّ الطرف الآخر في الوجود وفي الاستقلال بالرأي والتعبير عنه، ثمّ بالتداول المباشر في مناط الاختلاف ليكون الحكَم الأعلى هو المصلحة الوطنية العليا ويكون مقياس الوطنية هو مدى التنازل عن الحقوق والمصالح الخاصّة لفائدة المصلحة الوطنية، فإذا ما جنحت بعض الأطراف إلى حلّ التنازع بالعنف كان واجبا مجابهتها من قبل الجميع بقيادة الدولة مجابهة شاملة أمنيا وقانونيا وثقافيا.
  • الفصل بين السلطات: إنّ السلطة الحاكمة التي تفرزها العملية الديمقراطية لإدارة الحياة العامّة تتفرّع إلى فروع ثلاثة: سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية وسلطة قضائية وهي القائمة على العدل الضامنة له دون إغفال لقوى تأثير أخرى لا تقل أهمية عن هذه السلط الأساسية. والمطلوب أن يتأسس النظام السياسي على الفصل بين السلطات الثلاث والتوازن بينها بحيث لا تتجمّع أيّ منها مع أخرى في يد واحدة، وتكون كلّ من هذه السلطات قوّة تعديل لما عسى أن يحدث من تمدّد غير مشروع للأخرى، ولكنّ هذا الفصل لا ينبغي أن يؤول إلى صراع بينها وإنما هو تكامل وتعاون.
  • ضمان الحقوق والحريات: والدولة ضامنة للحقوق والحريات العامّة والخاصّة، تكفل للمواطنين حقوقهم في الكرامة المعنوية والمادّية، وتتصدى لانتهاك كرامة المواطن من الأفراد والجماعات والفئات وكل أشكال القهر والتسلّط والإهانة، والاستهتار بالمشاعر الدينية والثقافية. كما تضمن الدولة حرية الفكر والتعبير والتنظّم والعبادة والتنقّل وسائر الحريات العامّة والخاصّة التي تضمّنها الدستور وهي مسؤولة على ردع المعتدين على هذه الحرّيات.
  • العلاقات الخارجية : تتمتع تونس بموقع جيوسياسي متميز يوفر لها أهمية استراتيجية خاصة لدى مختلف القوى والأطراف الإقليمية والدولية وهو ما يحتم على الدولة تفعيل سياستها الخارجية مع جميع تلك الأطراف وإقامة علاقات منفتحة على أساس السلم والمصالح المشتركة وإرادة الخير للجميع وتوسيع تلك العلاقات لتشمل مختلف الفضاءات مع الحرص على التكامل السياسي والاقتصادي مع بلدان المنطقة المغاربية ثم العربية بنهج في التعامل يمهّد للوحدة معها كما يقرّر ذلك دستور الثورة، وتختصّ العلاقة مع البلاد الإسلامية بما تقتضيه خصوصية المشترك الثقافي معها من التكامل والتناصر وتوحيد المواقف في مختلف القضايا الدولية، كما تختصّ العلاقة مع البلاد الإفريقية والأوروبية بما يقتضيه المشترك التاريخي والجغرافي من أولوية التعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية.

كما تحرص الدولة على مد جسور التعاون مع كافة الأقطار الأخرى ولا سيما الصاعدة والناهضة منها في كافة أرجاء المعمورة على أساس تبادل المنافع وتحقيق المصالح المشتركة والمعاملة بالمثل بما يخدم مقصد التعارف والتعاون الإنساني. واعتبارا لأهمية الأمن والسلم العالمي؛ فإنّ من المبادئ التي ينبغي أن تحكم تلك العلاقات الدولية مبدأ عدم التدخل الخارجي في شؤون الغير ومناصرة القضايا العادلة وكلّ المظلومين من الأشخاص والفئات والشعوب والدول بالطرق المناسبة، ومدّ يد العون لهم بما يرفع الظلم عنهم، ويأتي على رأس ذلك نصرة الفلسطينيين في مظلمتهم التاريخية التي يمارسها عليهم الكيان الصهيوني.

الثقافة والفنّ

تنظر حركة النهضة إلى الثقافة على أنها المنهج الذي تحقّق به الشعوب حياتها أسلوبا في التفكير ونمطا في السلوك؛ تنفتح على الكسب الإنساني العامّ وتتفاعل مع الثقافة الكونية ولكنها لا تخضع لنمطية تفقدها حيوتها وثراءها، بل تحتفظ بدائرة من الخصوصيات التي تجعلها متميّزة تميّز إضافة وعطاء بمقتضى الخصوصية التي تنبني عليها والتي يشترك فيها الشعب مع محيطه العربي والإسلامي.

إنّ غاية الثقافة هي الترقّي بالإنسان فردا وجماعة في سلّم الإنسانية بما تدفع به في المجال المعنوي إلى مقامات الفضيلة والحرية والكرامة والأخوّة والتراحم والعدل والإحسان، وما تدفع به في المجال المادّي إلى التنمية الشاملة والجدّ في العمل المنتج والتعامل الإيجابي مع البيئة الطبيعية، فينبغي أن يُتّخذ معيارا للثقافة مدى ما تؤدّي إليه من رفعة بالإنسان إلى تلك المقامات العليا أو تنزل به إلى وهدة الحيوانية والعطالة والفساد في الأرض.

وفي هذا الإطار تؤكّد هذه الرؤية على أهمية الثقافة في تحقيق مبدإ التعارف بين الشعوب واستتباب السلم العالمي، وأن أي عمل إبداعي لا يكون ذا قيمة كونية محققة لهذه الغايات ما لم يكن راسخا في هويته الثقافية وحاملا في نفس الوقت لقيم إنسانية سامية.

ولا يكون العمل الثقافي أصيلا وذا إضافة إيجابية للفرد وللمجتمع إلا عندما يكون حرا، لا يحتكم إلا إلى ضمير المبدع ومسؤوليته إزاء مجتمعه ووطنه وفق ما نص عليه الدستور الذي أكد على حرية الرأي والتعبير.

ومما يندرج ضمن هذا الميزان أن تتمّ تربية العقول على أن تكون متحرّرة من الأوهام والخرافات واسعة الآفاق متفتّحة على العالم، تسعى إلى معرفة الحقيقة في شتى مجالاتها بواقعية في المنطلق وشمولية في النظر وموضوعية في البحث، وتتعامل مع المعطيات المعرفية بإعمال العقل واعتماد منهج التبيّن الذي يتوخّى المقارنة بينها والتمحيص فيها ونقدها.

ويعتبر الفن نتاجا إبداعيا وتعبيرية ذاتية للإنسان، فهي نوع من أنواع الانبهار بالجمال الكوني، وحالة من حالات الاستغراق في التأمل الجمالي، كما أنه قد يبتعد عن الواقع، فيكون انعكاسا للقوى المخيلة لدى الإنسان. ويندرج ضمن منظومة الفنون الجميلة كل فن كان موضوعه تعبيرا عن الجمال كالموسيقى والتصوير والنحت والشعر والبلاغة وفن البناء وغيرها... وتعد الفنون الجميلة جزءا هاما من الإبداع الثقافي للحضارة الإسلامية فهي بمختلف ألوانها ذات وشائج قوية وعميقة بالمقاصد العامة للدين لأن الإسلام يحب الجمال والجمال علامة السلام والخير. فهذه الفنون من أدوات تحقيق المقاصد، وازدهارها دليل على الاقتراب من أعلى مراحل تحققها في الواقع. وما ازدهرت مقاصد الإسلام في الواقع إلا بمذاق الفنون الجميلة. ولذلك فإن الفنون الجميلة بهذا المعني وبهذا المفهوم هي جزء من المشروع الثقافي الذي تطمح حركة النهضة أن يسود في المجتمع من أجل تحقيق النهضة الشاملة بكل أبعادها.

والثقافة في مجال التعبير الروحي وخاصّة منها التعبير الديني تكون ثقافة عالية حينما تمارس الشعائر الدينية المعبّرة عن العلاقة بالمطلق بصدق وإخلاص، خالية بأكبر قدر ممكن من الرياء والنفاق، فتكون إذن ذات أثر فاعل في تزكية النفوس وترقيتها في سلّم الإنسانية، كما تكون ذات أثر فاعل في استقامة السلوك ورشد التعامل مع الناس، ولا يكون لتلك الثقافة اكتمال إلا إذا كان من يتمتّع بالحرية يفسح في نفسه المجال بنفس القدر لحرية الآخرين في أن يمارسوا هم أيضا ما يشبع أشواقهم الروحية بالأساليب التي يرتضونها مهما كانت مخالفة لما هو عليه؛ غير أنّ الاحترام المتبادل للمشاعر الروحية هو الحدّ الذي ينبغي أن لا تتجاوزه تلك الحرية المتبادلة.

والثقافة في المجال المجتمعي هي الثقافة التي يُصاغ بها الضمير الجمعي في العلاقة بين المكوّنات المجتمعية، إنها الثقافة المجتمعية البديلة لثقافة الفردية والأنانية والخلاص الذاتي التي هي شديدة الغواية لداعي الأنانية المتأصّلة في الإنسان. والثقافة التي نشجع عليها هي التي تدفع إلى الإبداع وإلى التنوع الثقافي، وهي التي تدفع إلى تحفيز العقل والإرادة في سبيل البناء التنموي، وهي التي تحترم الذوق والقيم والأخلاق العامة في المجتمع، فلا تكون بمظاهرها المختلفة منطلقا إلى ما يعتدي على الضمير الجمعي في قيمه ومقدساته بالاستهانة والتحقير، أو يدفع إلى تصديع الوحدة المجتمعية ببثّ مشاعر الكراهية والحقد فيكون حينئذ عامل هدم حيث أريد منه أن يكون عامل بناء ونماء.

رابعا ـالآفاق الحضارية:

إن حركة النهضة في رؤيتها الفكرية لا تقف عند حدّ المعالجة للأحداث الآنية والمشاكل الطارئة وتدبير شأن الحياة اليومية للمجتمع وإنما هي تمتدّ برؤيتها إلى الآفاق المستقبلية البعيدة في زمنها والعظيمة في إنجازاتها والإنسانية في منتهاها، إنها تهدف إلى أن تسهم مع الجهود الوطنية المخلصة في إحداث نهضة حضارية في بلادنا تكون فيها الإضافة إلى المكتسب الحضاري الإنساني، وتخرج بها من وهدة التخلّف لتلتحق بالصفوف الأولى من التقدّم الإنساني غير مأسورة بتبديد الجهود في صغائر الأحداث ويوميات المشاكل.

وفي سبيل ذلك فإنها ترى أنه ينبغي أن تُربّي أجيال الشباب على الآمال والطموحات الكبيرة التي يرتفع سقفها إلى صناعة الحضارة والريادة فيها، بل والإضافة إليها على ما توصّل إليه الكسب الإنساني كما جاء ذلك في توطئة دستور الثورة حينما ارتفع بإرادة الشعب إلى أن يكون"ساعيا إلى الريادة، متطلّعا إلى الإضافة الحضارية" وصولا بهذه الإضافة إلى مستوى الشهادة على الناس شهادة نفع بالخير والسلم والأمن، وأن تُجنّب هذه الأجيال اللهث وراء صغائر الآمال وقصار الطموحات والأهداف. ولا شك إنّ العوامل المساعدة على ذلك كثيرة، وهي لا تحتاج إلا إلى تفعيل لتصبح عوامل استنهاض حضاري محفزة للإنجاز، وترى حركة النهضة أنّ من أهم تلك العوامل العامل الديني، فالإسلام الذي هو مرجعيتها يجعل من الشهادة على الناس شهادة حضارية تنفع الناس علما وعملا في معركة البناء والتنمية الشاملة.

وليس هذا الطموح الحضاري البعيد المدى بعزيز على شعبنا إذ هو يملك من أسبابه ومبرّراته ما هو كامن لا يحتاج إلا إلى التفعيل، فمخزون شعبنا من القيم الحيّة الدينية والإنسانية مخزون ثري جدا سواء في بعده المعنوي أخلاقيا أو في بعده المجتمعي أسريا أو في بعده المادي استثمارا للطبيعة، أو في سابقته التاريخية في الريادة الحضارية، ريادة مشهودة في العصر الإسلامي وفيما قبله، وقد أعطته ثورة الحرية والكرامة فرصة تاريخية قد لا تتكرّر إلا على تطاول من التاريخ لتقوي أسباب النهضة قيما وتاريخا وسمعة عالمية، وتدفع الإرادة الجماعية لتمضي بلادنا في نهضة حضارية شاملة.