أنت هنا

اللّائحة الاقتصادية الاجتماعية

توطئة

ينعقد المؤتمر الاستثنائي العاشر لحزب حركة النهضة في ظرف اقتصادي واجتماعي دقيق يوشك أن يمثل عائقا أمام استكمال التجربة النموذجية التي خاضتها بلادنا طيلة السنوات الخمس الأخيرة في مسار انتقالها السياسي الذي قطعت البلاد باتجاهه خطوات هامة بإقرار دستور جديد والانطلاق في بناء مؤسسات دستورية وسياسية مستقرة. ويستدعي هذا الوضع الاقتصادي الحرج إعطاء الأولوية الكبرى لهذا الملف والسعي لتحقيق التوافق حوله في إطار منوال تنموي جديد من شأنه إنقاذ الاقتصاد الوطني من الانكماش والتراجع وإنعاش النمو ومواجهة التحديات المطروحة وفي مقدمتها تحديات التشغيل والتمويل والتنمية المتوازنة والعادلة بالإضافة إلى كسب رهانات الإنتاجية والجودة والكفاءة والفعالية الاقتصادية والقدرة التنافسية وتحقيق الأمن الغذائي والحوكمة الرشيدة بهدف التوصل إلى تحقيق المطالب الأساسية التي أعلنت عنها الثورة وهي الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والتوازن الجهوي والقطع مع الفساد.

لقد أبانت تجربة المرحلة الانتقالية عن صعوبة إدارة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لمختلف الحكومات المتعاقبة وتوضَّح حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وصعوبة الشروع في الإصلاحات الاقتصادية الضرورية التي تتطلبها البلاد دون تهيئة الأرضية السياسية والثقافية حولها.

إنّ حركة النهضة، انطلاقا من تجربتها في إدارة شؤون الدولة وتقييمها لأوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية طيلة الفترة الانتقالية ووقوفها على مختلف العوائق التي عاشتها بلادنا والتحديات التي لا تزال تواجهها، وبناءً على مقاربتها التنموية الشاملة ترى أنّ تحقيق النّقلة الاقتصادية المطلوبة وبناء النهضة التنموية المنشودة يتطلب إدارة حوار اقتصادي وطني بين كل الأطراف حول مقاربة جديدة تُبنى على مبدأ التشاركية والتوافق على منوال تنموي جديد ينطلق من الشروع في إصلاحات حقيقية وعميقة تقطع مع خيارات اقتصادية واجتماعية وسياسات مالية وقطاعية سابقة وتُفضي إلى خيارات وسياسات جديدة تفتح أفقا اقتصاديا جديداً للبلاد وتخلق أملاً فاعلاً في نفوس الشباب يدفعهم للعمل والمبادرة ويستنهض داخلهم طاقات الابتكار والتجديد بما يسمح بتحقيق النقلة الاقتصادية المنشودة وتنمية الثروات ويمكّن من إعادة توزيعها بشكل عادل ومنصف بين الفئات والجهات.

في هذا السياق وتزامنا مع الشروع في إنجاز المخطط التنموي 2016-2020 تهدف هذه اللائحة انطلاقا من كل ذلك إلى رسم الخيارات والتوجهات في المجالين الاقتصادي والاجتماعي ورسم الخطوط الكبرى للسياسات العامة والأولويات المطلوبة التي يبنى على أساسها لاحقا البرنامج التفصيلي لمختلف القطاعات والمجالات ضمن رؤيـة تنموية جديدة ترتكز على خيار اقتصاد السوق الاجتماعي والتضامني ومفهوم التنمية الاندماجية والإدماجية الشاملة التي تستند إلى خلفية فكرية متأصلة في الهوية العربية الإسلامية ومضامينها القيمية القائمة على مبدأ العمل والمشاركة والتكافل والإتقان.

ملامح الوضع الاقتصادي والاجتماعي

تمر البلاد في هذه المرحلة بوضع يتسم بتنامي الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية وتراجع النمو والتعطل الكبير للنشاط في العديد من المؤسسات والقطاعات. ويمكن تحديد ملامح هذا الوضع في المعضلات والتحديات التالية :

التحديات الظرفية

  • تدني النمو الاقتصادي إلى مستوى يقارب الصفر وهو ما يجعل البلاد على أبواب الانكماش الاقتصادي بسبب تعطّل الإنتاج في عديد القطاعات الحيوية كالفسفاط والصناعات الكيمياوية والسياحة إضافة إلى تراجع الاستثمار الداخلي والخارجي وتقهقر معدل الادخار الوطني إلى مستويات مقلقة.
  • تراجع الترقيم السيادي للبلاد وتأثيره على كلفة النفاذ إلى السوق المالية الخارجية لتمويل ميزانية الدولة، إلى جانب تنامي نفقات التصرّف، لاسيما الأجور والدعم مما عمّق عجز الميزانية ورفّع في حجم المديونية التي بلغت 52.7 % خلال العام 2015. ويتوقع أن تبلغ 54 % من الناتج المحلي الخام خلال العام 2016.
  • تواصل الضغوط على السيولة النقدية مع تراجع سعر صرف الدينار مقابل العملات الأجنبية الأساسية.
  • تدهور المقدرة الشرائية للمواطن ممّا أرهق كاهل الفئات الضعيفة وزاد من تآكل الطبقة الوسطى.
  • ضعف نسبة الاستثمار وتردي مناخ الأعمال وانتشار ظاهرة الفساد، إلى جانب اتساع دائرة الاقتصاد الموازي والأنشطة العشوائية بما أضرَّ بالاقتصاد المنظم وبالتالي بمداخيل الدولة بالإضافة إلى ارتفاع سقف المطالب المشطّة وتنامي ظاهرة الإضرابات بشكل عشوائي.
  • بطئ إنجاز برنامج الإصلاحات وتعثر مساراته بسبب غياب السياسة التوافقية والإرادة الفاعلة والصعوبات الإدارية.

التحديات الهيكلية

يعاني الاقتصاد التونسي من جملة من العوائق الهيكلية ويواجه معضلات وتحديات متنوعة يمكن إجمالها فيما يلي :

  • ارتفاع نسبة البطالة وضعف التشغيلية خاصّة لدى أصحاب الشهادات العليا، حيث بلغ عدد العاطلين حوالي 650 ألف منهم 240 ألف من أصحاب الشهادات العليا، نتيجة عدم كفاية مستويات النمو وضعف تطور قطاعات الاقتصاد وعدم ملاءمة مخرجات المنظومة التعليمية لمتطلبات سوق الشغل.
  • محدودية تنافسية الاقتصاد نتيجة لعلاقته غير المتكافئة بالمنظومة الاقتصادية العالمية وغياب منظومة متكاملة وفعَالة للبحث العلمي والتطوير و ضعف الاستفادة من التقنيات الحديثة واقتصاد المعرفة ومحدودية منظومتي التعليم والتكوين.
  • تنامي عجز الموازين الكبرى لا سيما الميزان الغذائي والطاقي، وتراجع الصادرات والمبادلات التجارية المنحصرة أساسا في أسواق تقليدية محدودة وعدم مواكبة التمويل لمتطلبات التنمية نتيجة الكلفة العالية للتمويل وسوء تخصيص الموارد المالية وضعف الادخار وتواضع نسبة الاستثمار الخارجي وضعف الاستفادة من مصادر تمويل جديدة كمنتجات المالية الإسلامية.
  • عدم توازن التنمية جهويا واجتماعيا نتيجة البيروقراطية ومركزية التخطيط والقرار وضعف البنية الأساسية والبيئة الاستثمارية وغياب الأقطاب الجهوية للتنمية.
  • تفشي الفساد وغياب الحوكمة الرشيدة التي تمثل ظاهرة هيكلية معيقة للعملية التنموية.
  • غياب منظومة قيمية فاعلة ومؤصلة في الهوية العربية الإسلامية للمجتمع ترسخ ثقافة العمل وإتقانه والكسب المشروع وترشيد الاستهلاك، وتحيي قيم الأمانة والثقة والمسؤولية والتضامن الأسري والتكافل الاجتماعي وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة واحترام القانون.

ونرى في حركة النهضة أنّه بالرغم من كل ذلك فإن للاقتصاد الوطني من المقوّمات ما تُمكّنه من التعافي وتُؤهله لتحقيق مُعدلات نمو عالية ونسق تشغيل مرتفع إذا تمّ الإسراع بإجراء الإصلاحات النوعية واعتماد سياسات اقتصادية ناجعة تساهم في خلق المزيد من فرص العمل والرفع من القدرة التنافسية للمؤسسات الاقتصادية.

الخيارات والتوجهات الإستراتيجية

الرؤية الاستراتيجية - تونس 2030 - التموقع في صدارة الدول الصاعدة إقليميا

رسم رؤية إستراتيجية تنموية تُحدث نقلة جوهرية في هيكلة الاقتصاد عبر صياغة منوال تنموي إدماجي واندماجي يراعي الثوابت الوطنية والخصوصيات الحضارية ويتوخى الحوكمة الرشيدة ويعتمد على تنمية الموارد الذاتية ويهدف إلى تحقيق الأمن والتمكين الاقتصادي للوطن والمواطن.

المقاربة الاقتصادية والتنموية

تتبنّى حركة النهضة خيار اقتصاد السوق الاجتماعي والتضامني ضمن مقاربة وطنية قائمة على مبدأ الحرية الاقتصادية وحرية التملك والإنتاج والإدارة من جهة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص من جهة ثانية، تحقيقا للفعالية والنجاعة وتوفيرا لشروط الحياة الكريمة باعتبارها الهدف الأساسي للتنمية، ذلك أن الإنسان في نظرنا هو غاية العملية التنموية ومحركها الأساسي, في ظلّ تكامل أدوار الفاعلين بين الدولة والقطاع الخاص والقطاع الاجتماعي التضامني.

فللدولة دور استراتيجي في التنمية عبر التوجيه والاستشراف والتحفيز وتعديل السوق ومعالجة القضايا الاجتماعية وضبط السياسات العامة، وللقطاع الخاص, وفي طليعته الرأس المال الوطني ,دور محوري في التنمية وزيادة الثروة ودفع الاستثمار وإحداث مواطن الشغل. وتتكامل الأدوار بالقطاع الثالث الداعم للاقتصاد الاجتماعي التضامني لتحقيق الإدماج والاستدامة عبر تفعيل دور الجمعيات التنموية والخيرية والتعاونيات ومأسسة العمل التضامني والتكافلي عبر صناديق الوقف والزكاة.

توسيع الشراكات مع الفضاءات الإقليمية والقوى الاقتصادية الصاعدة

بهدف فتح آفاق جديدة للاقتصاد الوطني وإيجاد أسواق إضافية للمنتجات الوطنية إلى جانب الشراكة الأوروبية ، وذلك على مستوى المغرب العربي وفي آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية؛ ويقتضي ذلك تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية. ويجدر في هذا الصدد تدقيق النظر في نسق المفاوضات المدرجة حول الاتفاقية الأوروبية للشراكة الشاملة والمعمقة من أجل أن تكون شراكة إيجابية ومتكافئة وعادلة تستفيد من حصاد الماضي وتتطلع إلى الاستثمار في المستقبل لمصلحة جميع الأطراف.

تنويع مصادر التمويل

والبحث عن مصادر جديدة إضافية ومكمّلة مثل مصادر التمويل الإسلامي ومنتجاته من صكوك وصناديق استثمار وأسواق رأس مال إسلامية ومؤسسات التمويل الأصغر ومؤسسات التأمين التكافلي وشركات رأس المال المخاطر والصناديق الوقفية ومؤسسات التمويل التأجيري بالإضافة إلى البنوك التجارية والمتخصصة.

كما أنّ تنويع مصادر التمويل بالجهات، من مصارف وصناديق استثمار ومؤسسات مالية جهوية، سيساهم في تيسير النفاذ لتمويل المشاريع الصغرى والمتوسطة وتعزيز فرص الاستثمار وخلق مواطن الشغل القارة.

إرساء حوكمة جديدة وإدارة رشيدة للفضاء الاقتصادي الاجتماعي

بما يعزز الرقابة والتقييم والتحفيز ويسمح بتحقيق العدل والتكافؤ في الفرص، ويُرسي الآليات التي تضمن حسن التصرف في المال العام وشفافية المعاملات الإدارية وتُقاوم الفساد وتتصدى للإثراء غير المشروع. وذلك بهدف ترسيخ اللاّمركزية ودعم الحوكمة المحلّية والجهوية وإدماج البعد البيئي في إدارة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية بما يشجع على تطوير القطاعات الإستراتيجية كقطاع الطاقة والمياه والفلاحة المُندمجة والسياحة البيئية والتدبير المستدام للنفايات كالتثمين والتدوير.

اعتماد سياسة توزيعية عادلة وتوجيه الدعم نحو مستحقيه

وتوسيع مجال الحماية الاجتماعية لتشمل الفئات الضعيفة ومحدودي الدخل والارتقاء بجودة حياة المواطن ومحيط عيشه في الفضاءات المختلفة العمومية والخاصة. والعمل على إرساء منوال جديد للعلاقات الشغلية يهدف إلى ترسيخ علاقات مهنية سليمة وإلى تمتين علاقات التماسك والتكامل بين مختلف فئات المجتمع وشرائحه ودعم القدرة التشغيلية بمختلف الجهات لضمان فرص عمل أوفر لكلّ الفئات الاجتماعية بما يكفل التوازن بين متطلبات الحفاظ على المقدرة الشرائية للعمّال والقدرة التنافسية للمؤسسة.

وتُعتبر إعادة بناء الأرضية الوطنية للحماية الاجتماعية من الخيارات التي تقوّي من حظوظ سائر طبقات المجتمع وتعطيها القدرة على تخطي عتبات الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة عتبة الفقر والخصاصة.

إحياء ثقافة العمل وربط الحقوق بالواجبات

تعتبر حركة النهضة أن ذلك يتم عبر تنمية الموارد البشرية وإعادة الاعتبار لقيمة العمل باعتباره عنصرا أساسيا في عملية الإنتاج ومن أهم عناصر خلق الثروة.

و تدعم الحركة الحق في الشغل لكل مواطن ضمن كسب مشروع وكريم وتؤكد رد الاعتبار لقيمة العمل ونبذ البطالة والكسل وأهمية الإتقان في العمل وجودته، وتدعم الحركة بكل قوة مكتسبات الشغالين مثل الحق في الترقية المهنية والحق في التكوين المهني والحق في السلامة المهنية، والحق في الأجر العادل والكافي تثمينا للجهد. والمطلوب تكريس مبدأ تكافؤ الفرص في الحصول على الشغل سواء في المناظرات أو الترقيات باعتماد الشفافية

والنزاهة في الانتدابات وغيرها. كما تعتبر حركة النهضة أنّ العمل النقابي هو حق دستوري، له دور هام في التحرر الاقتصادي والوطني وفي الرقابة والتحكيم ومن مصلحة البلاد أن تكون تمثيلية القوى العاملة قوية ومستقلة حتى تساهم في المشروع الوطني الإصلاحي الديمقراطي.

إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية

بشكل جذري وسريع لإيقاف مسار التدهور الحاد وتطوير منظومة

التكوين المهني ودعم البحث العلمي وتوظيفهما لخدمة النسيج الاقتصادي وملاءمتهما مع متطلبات سوق الشغل وهو ما يستدعي دعم و إحداث مؤسسات مجتمعية للسهر على السياسات التربوية كمجلس أعلى للتربية ومؤسسة لتقييم أداء المنظومة التربوية ووضع ميثاق وطني للتربية وتحسين الأوضاع المادية للمربين والمعلمين وإعادة الاعتبار للتكوين المهني والمهارات الحرفية والمهن الفلاحية. وكذلك الاهتمام بالشباب وقياداته وتدريبهم التدريب الكافي بما يمكنهم من أداء دورهم الفعال في عملية التنمية عبر إثراء معارفهم بالقضايا السياسية والحقوقية والاقتصادية عبر المنابر الثقافية وورش العمل والتدريب وغيرها من وسائل بناء قدرات الشباب لقيادة التغيير في المجتمع.

المنظومة القيمية للمنوال التنموي الجديد

إرساء منظومة قيمية متكاملة تقوم على تفعيل جملة القيم

الاجتماعية القائمة في المجتمع التونسي والمستندة إلى مخزونه الثقافي والحضاري وهويته العربية والإسلامية مثل مفهوم التكافل والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد وترشيد الاستهلاك والابتعاد عن سلوكيات التبذير وهدر الثروات. كما يستهدف تشجيع ثقافة العمل والإتقان والابتكار والمبادرة ومكافأة المبدعين وتكريس التعاون والتضامن في المجتمع، وإحياء الأخلاق والقيم الفاضلة في مجال المعاملات مثل الصدق والنزاهة والشفافية والأمانة والثقة والإيثار والكسب الايجابي المشروع.

وللبيئة في هذا المنظور القيمي مكانة متميزة ويتجلى ذلك في احترامها والحفاظ عليها بما يحمي حق الأجيال المقبلة. وينبني هذا الاحترام على تنظيم العلاقة بين الأنشطة التي يقوم بها النّاس بما هم مواطنون وفاعلون اقتصاديون من جهة وبين دورة النظم البيئية وعناصر الطبيعة من جهة ثانية.

الأولويات التنموية

  • اعتماد برنامج إنقاذ اقتصادي عاجل يُعطي الأولوية لاستعادة الانتاج المعطل في بعض القطاعات الاستراتيجية وانجاز المشاريع العمومية المعطلة ، بهدف تحسين البنية الأساسية وتطوير المرافق العامة وتحريك عجلة التنمية وإنعاش القطاع الخاص ، لا سيما داخل الجهات ، والمبادرة برفع العراقيل الإدارية والإجرائية لتسريع إنجاز المشاريع الكبرى المعطَّلة التابعة للقطاع الخاص واستحثاث إنجاز المشاريع الاستثمارية في مختلف القطاعات ، باتخاذ إجراءات استثنائية لدفع الاقتصاد وتسريع التنمية وتشغيل الشباب .
  • التقليص من البطالة من خلال تنويع آليات التشغيل والتأطير ودعم المبادرات الخاصة للشباب وإنعاش الاستثمار وإزالة المعوقات الإدارية أمامه ليكون الرافعة الأساسية للنمو المحدث لمواطن الشغل القارة والقادرة على امتصاص أوسع عدد ممكن من العاطلين عن العمل خاصة من حاملي الشهادات الجامعية وملاءمة خريجي منظومة إعداد الموارد البشرية مع متطلبات سوق الشغل.
  • الحد من الفوارق بين الفئات والجهات والأفراد وتنمية الجهات من خلال تثبيت الحكم المحلي واللامركزية والديمقراطية التشاركية وإعادة التقسيم الترابي للبلاد وتوظيف خصوصياتها وتأهيل البنية التحتية فيها وتوفير الخدمات الأساسية خاصة في المناطق الدّاخلية بما يساعد على جلب الاستثمار وتحقيق الاندماج.
  • مقاومة الفساد وتجسيد الحوكمة الرشيدة ومأسستها وإرساء الآليات الضامنة لحسن التصّرف في المال العام وتعزيز نظم الرقابة والتقييم والتحفيز والمساءلة.
  • ترشيد الإنفاق العام من أجل المحافظة على التوازنات المالية الكبرى للّدولة وتنمية الموارد عبر إصلاح المنظومة الجبائية والإدماج التدريجي والمحكم للاقتصاد الموازي.
  • النهوض بالقطاع الاجتماعي التضامني الذي يشمل المنظمات والمؤسسات غير الحكومية والتعاونيات والجمعيات غير الربحية والأنشطة المدنية والخيرية والحقوقية ويُعدُّ مكمِّلا لمهام ومسؤوليات القطاع العام ومتكاملاً مع القطاع الخاص.

السياسات الاقتصادية والاجتماعية :

تهدف السياسات الاقتصادية عموما إلى بلوغ أعلى درجات النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي وتحقيق التنمية الشاملة واستقرار الأسعار عبر استخدام الوسائل والآليات المختلفة، كالسياسة الجبائية والسياسة النقدية والسياسات القطاعية والسياسة الجهوية والسياسة الاجتماعية.

وقد شهد تنفيذ السياسات الاقتصادية في تونس، في ظل الوضع الذي عرفته البلاد بعد الثورة وما ميّزه من احتقان اجتماعي وتجاذب سياسي، صعوبات كبرى أعاقت تحقيق أهدافه، سواء كانت متعلقة بتوازن الاقتصاد

الكلي والتحكم في الضغوط التضخميّة على المدى القصير أو تحقيق النمو والتوازن بين الفئات والجهات على المدى المتوسط والطويل وإحكام التصرف في المؤسسات العمومية.

وتعتبر حركة النهضة أنّ السياسات الاقتصادية للبلاد، في الفترة القادمة، يجب أن ترتكز على المحاور التالية :

  • توجيه السياسة الجبائية لدفع النشاط الاقتصادي وتشجيع المبادرة الاستثمارية المُحدثة لمواطن الشغل واستكمال برنامج الإصلاح الجبائي الذي يجب أن يضمن الشفافية وتحقيق العدالة بين الفاعلين الاقتصاديين ويسعى إلى تيسير الإجراءات الجبائية والعناية بالجانب التنظيمي والحوكمة وتطوير آليات الاستخلاص الجبائي لتنمية موارد الدولة. كما ترى حركة النهضة ضرورة المواءمة بين السياسة الجبائية والسياسة النّقدية لخدمة السياسات الاقتصادية الكلية للبلاد والمحافظة على الاستقرار الاقتصادي والسيطرة على التضخّم وتوفير المناخ المناسب لتحفيز الاستثمار ودفع النمو.
  • مواصلة الإصلاحات العميقة للقطاع المالي، الذي يشمل المجال المصرفي والسوق المالية وقطاع التأمين، بهدف تحسين مردودية القطاع والرفع من نجاعته من خلال تركيز آليات الشفافية والحوكمة وحسن التسيير والتحكّم في المخاطر النُظمية حسب المعايير الدولية وتفعيل دور هياكل الرقابة والتعديل.
  • وترى حركة النهضة أنّه أصبح ضروريا إعادة هيكلة البنوك العمومية إلى جانب استكمال المنظومة القانونية والمؤسساتية للمالية الإسلامية وتحفيز الفاعلين في المجال ممّا سيٌمكّن من تحويل البلاد التونسية إلى وجهة إقليمية للمالية الإسلامية، كما تدعم تشجيع القطاع البنكي على الاندماج داخل أقطاب ذات صلابة مالية بما يرفّع من قدرته على حسن تمويل النسيج الاقتصادي التونسي ومعاضدته في توسّعه الإقليمي والقاري.
  • وفي نفس السّياق المتعلق بتنويع أدوات الادخار وآليات التمويل وتنشيط الدورة الاقتصادية، تدعم حركة النهضة خيار تطوير السوق المالية لتنمية التمويل المباشر للمؤسسات الاقتصادية وتعزيز الشفافية. كما تعمل على النهوض بمجالات التأمين والاستثمار والخدمات المالية وكذلك مأسسة القطاع التعاوني كرافد للتنمية من خلال تأسيس الصناديق الوقفية وصناديق الزكاة ومؤسسات تمويل المشاريع الصغرى.
  • تفعيل خيار التمييز الايجابي للجهات الداخلية الأقل حظّا في التنمية باعتماد آلية "مفتاح توزيـع الاعتمادات" لضبط سُلّم الأولوية وتطوير البنى الأساسية الجهوية والمرافق العامة لدفع النمو وتحسين ظروف عيش المواطنين والتقليص في حجم الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الفئات والجهات، في إطار رؤية جديدة للتقسيم الترابي للبلاد تعتمد بعث أقاليم للتنمية تربط الداخل بالساحل وتحقق الإدماج والاندماج بخلق منظومات اقتصادية جهوية تثمّن قدرات كل جهة وتوظّف خصوصياتها لإرساء ديناميكية تنموية بين الجهات وترفع من جاذبيتها. وفي هذا الإطار تعمل حركة النهضة على تفعيل الباب السابع من الدستور لدعم اللّامركزية.
  • اعتماد سياسات اجتماعية ترتكز على الحوار الاجتماعي وتهدف الى التمكين الاقتصادي والاجتماعي للشرائح الاجتماعية الضعيفة والمهمشة وذوي الاحتياجات الخاصة: تعتبر حركة النهضة أنّ الشراكة الفعلية بين العمال وأصحاب رأس المال من ركائز النجاح وعناصر القوة في المؤسسة وهي تؤكد على قيمة الحوار الاجتماعي وتحرص على تحقيق التوازن بين ديمومة قوى الإنتاج وتحسين ظروف الحياة والعمل داخل المؤسسة لضمان سلامة المناخات الاجتماعية داخلها. اما التمكين الاقتصادي والاجتماعي للشرائح الاجتماعية الضعيفة والمهمشة وذوي الاحتياجات الخاصة فيكون عبر مجموعة برامج وأنشطة وإجراءات تفضي إلى تنمية قدراتهم وتوفير ظروف مساهمتهم في الفعل التنموي وإتاحة الفرصة أمامهم لتنمية واقعهم الإنساني بجميع أبعاده.
  • تحقيق التوزيع العادل للثروة تأسيسا لمجتمع متوازن ومتضامن عبر :
    • الترفيع في الأجر الأدنى بما يساهم في الحفاظ على المقدرة الشرائية وتقليص نسب الفقر .
    • تخفيف العبئ الجبائي على أصحاب الأجور المنخفضة.
    • تعزيز منظومة الضمان الاجتماعي والحق في التأمين الصحي للشغالين وتوفيره للنساء العاملات بالقطاع الفلاحي ولكل الفئات خاصة الضعيفة منها وذوي الاحتياجات الخصوصية وتقديم منح لهم وتمتيعهم بالخدمات المجانية.
    • تعزيز التحويلات الاجتماعية في مجال الصحة والتربية والإعانات للتلاميذ والطلبة المنتمين إلى أسر ذات الدخل الضعيف.
    • الإصلاح الجذري لمنظومة الصناديق الاجتماعية من خلال إقرار مجموعة من الإجراءات العاجلة والتوجه نحو إصلاحات إستراتيجية بهدف إعادة التوازن لهذه الصناديق عبر ضمان استخلاص الديون ومراجعة سن التقاعد وتنويع منظومة التمويل ومصادره بالتشاور مع الأطراف الاجتماعية المعنية والإدماج التدريجي للقطاع الموازي الذي من شأنه أن يساهم في تعزيز هذه الإصلاحات.
  • اعتماد سياسات قطاعية تعطي الأولوية للقطاعات الواعدة المُحققة لقيمة مضافة عالية والقادرة على خلق مواطن الشغل لحاملي الشهائد العليا وحسن استثمار الموارد البشرية والثروات الطبيعية لبلادنا، إلى جانب السعي إلى تقوية درجة الاندماج بين القطاعات الاقتصادية ولاسيما القطاعات المترابطة كالفلاحة والصناعات التحويلية والسياحة والخدمات الاستشفائية وجعل قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال قاطرة لتطوير مختلف القطاعات الاقتصادية للرفع من القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني وجعله يحتل موقعا مهما في الخارطة الإنتاجية الدولية.

وفي هذا الإطار تدعم حركة النهضة :

  • تطوير قطاع الفلاحة والصيد البحري بجعله قطاعا إستراتيجيا عبر تحسين حوكمته والتنظّم المهني داخله، وتطوير منظومة التمويل والاستثمار الفلاحي ومعالجة مسألة المديونية بالنسبة لصغار الفلاحين والبحارة وتوجيه المنح لدعم الإنتاجية وتأهيل المنظومات الفلاحية وتطوير الصناعات التحويلية في إطار منظومات جهوية تخلق حركية اقتصادية بالأرياف وتشجيع الفلاحة البيولوجية وإنتاج الباكورات بغرض التصدير وتأهيل مجال الصيد البحري وتربية الأحياء المائية.
  • تثمين دور قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال من أجل الانتقال بتونس من سوق للمناولة إلى مركز إقليمي لإنتاج المعرفة المعلوماتية وتصديرها وتطوير السوق المحلي بمشاريع كبرى كالجغرفة الرقمية ورقمنة الإدارة والمؤسسات العمومية ضمانا لشفافية المعاملات الإدارية وتحسين العلاقة مع المواطن وضمان النفاذ إلى تكنولوجيا المعلومات لكافة فئات المجتمع في إطار الحد من الفجوة الرقمية.
  • الرفع من تنافسية قطاع الصناعة والطاقة والمناجم من خلال التوجه نحو الصناعات ذات القيمة المضافة العالية وذات المحتوى التكنولوجي المجدَد، واستقطاب شركات صناعية عالمية عبر آليات الاستثمار المباشر أو الشراكات الإستراتيجية لتطوير النسيج الصناعي التونسي والرفع من تنافسيتها وتجميع صغار الصناعيين متجانسي النشاط في إطار مجامع مختصة ومتكاملة وتشجيع التوجّه نحو الطاقات المتجددة لتنويع مصادر الطاقة و ترشيد استهلاكها.
  • الرفع من تنافسية قطاع النقل واللوجستية عبر تمويل المشاريع وتوزيعها على كامل تراب البلاد وإعادة هيكلة وتطوير النقل الحديدي للأشخاص والبضائع وتعصير شبكاته الوطنية والمغاربية وإصلاح أوضاع الشركات العمومية للنقل بإعادة هيكلتها وضبط توازناتها المالية ومراجعة طرق تسييرها وحوكمتها واعتماد الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتدعيم البنى الأساسية للنقل وبعث الأقطاب اللوجستية وإحداث أقطاب نقل متعددة الوسائط تضمن الانسيابية والسرعة ونقل البضائع مع التحكم في الكلفة.
  • تأهيل قطاع السياحة والصناعات التقليدية بإعادة هيكلته باتّجاه تنويع المنتوج والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة اعتمادا على المخزون الثقافي والطبيعي والخدمات الاستشفائية وإعادة تأهيل المؤسسات السياحية ضمانا للجودة العالية والخدمات المتميزة وضبط إستراتيجية ترويج فعالة ومتنوعة وتشجيع السياحة العائلية الموجهة للسوق المحلية والمغاربية والعمل على بناء صناعة تقليدية مبتكرة ومتجذرة في هوية المجتمع وتقاليده ومعتمدة على المواد الأولية المحلية و ذات جودة عالية وتثمينها عبر آليات تسويق داخلية وخارجية والنهوض بالموارد البشرية عبر تشجيع التكوين الحرفي ونشره لدى فئات الشباب.
  • تطوير قطاع التجارة عبر تحسين الحوكمة وضمان تزويد الأسواق بالسلع في إطار التنافس النزيه وشفافية الأسعار واحترام شروط الجودة وقواعد السلامة والتحكم الرشيد في الأسعار وتعزيز الرقابة وتأهيل و تعصير مسالك التوزيع ودعم سياسة المخزونات التعديلية والإستراتيجية في المواد الأساسية وإحكام التصرف في فوائض الإنتاج وتعزيز البرامج الوطنية لمساندة قطاع التصدير.

هندسة الانتقال الاقتصادي :

تسعى حركة النهضة إلى إدارة المرحلة المقبلة عبر إحداث نقلة نوعية على مستوى أداء الاقتصاد الوطني لتحقيق النهوض الاقتصادي المرجو والرفاه للجميع، من خلال الشروع في مسار انتقال اقتصادي يهدف إلى التحوّل بالبلاد نحو منوال تنموي جديد يرتكز على النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية ويؤسس لاقتصاد المعرفة ويوجّه الاستثمار نحو القطاعات ذات الأولوية عبر إدخال الإصلاحات النوعية المستوجبة وفق الأولويات المضبوطة.

تنطلق هندسة انجاز الانتقال من ضرورة بناء تعاقد اقتصادي اجتماعي بصفة توافقية تأخذ بعين الاعتبار واقع الاقتصاد التونسي والتحدّيات المطروحة على البلاد وحقيقة ظروف عيش المواطنين، ويقدّر حجم الزمن الملائم لتنزيل تلك الإصلاحات واستكمالها وتحديد دور كل المتدخّلين أثناء عملية التنفيذ. وتستوجب هذه الهندسة المقترحة توفّر الإرادة السياسية المؤمنة بالإصلاحات والقادرة على المضي في تنفيذها وحسن إدارتها وبناء عناصر الثقة بين مختلف الفاعلين من أجل بناء أرضية سياسية صلبة ضمن التعاقد الذي يمثل الاتفاق الإطاري حول الإصلاحات من حيث المضمون وأجندة التنزيل اللازمة للقيام بها ومن حيث التشاركية والتوافق والسلم الاجتماعي وتقدير حجم التضحيات وتقاسمها.

ويشترط إلى ذلك ترتيب الأجندة الوطنية بحيث يتم تحييد ملف الإصلاحات النوعية عن الخلافات والتجاذبات، إلى جانب تطوير علاقاتنا الدولية والبعث برسائل ثقة لشركائنا الإقليميين والدوليين بما يعزّز مجالات التعاون ويفتح البلاد على فرص حقيقية. كما نؤكد على الدور الكبير للإعلام والمؤسسات الاتصالية في تعبئة عموم التونسيين وضمان انخراطهم في مسار الإصلاح عبر توفير المساندة الواسعة للإصلاحات والانخراط الواعي في مساراتها المتعددة.

ويتمثل المستوى الإجرائي في هذه الهندسة السياسية والتقنية أساسا في:

  • مأسسة مسار الحوار الاقتصادي الوطني من أجل بلورة مشروع المنوال التنموي المطلوب بمشاركة كافة الأطراف والفعاليات والمنظمات الوطنية والهيئات والكفاءات والأحزاب السياسية.
  • إنشاء وزارة كبرى تتمتع بالصلاحيات الكافية للإشراف على إنجاز مشاريع الإصلاحات وقيادة تنفيذها وتنسّق بين كل المتدخلين وتضبط إستراتيجية تواصل وتعبئة.
  • اعتماد لوحة قيادة، شاملة وقطاعية، على مستوى رئاسة الحكومة لمتابعة تنفيذ الإصلاحات تهدف إلى تحديد مدى تقدّم الإنجاز والعراقيل التي تحول دون ذلك وتوجّه رئاسة الحكومة والهياكل المعنية نحو القرارات الملائمة التي يجب اتخاذها.