أنت هنا

اللوائح

مقدمة

في سياق ما تعيشه بلادنا من تحولات تاريخية انطلقت مع ثورة الحرية والكرامة، مثل المؤتمر العاشر لحركة النهضة حدثا وطنيا بارزا انتظرته الساحتان الداخلية والخارجية منذ سنوات لما يكتسيه من أهمية كبرى بالنسبة للمسار السياسي في البلاد ولما تعلقت به من انتظارات وآمال.

وبانعقاد هذا المؤتمر ومناقشة المضامين المقترحة عليه وبعد المصادقة عليها، تدخل حركة النهضة حقبة جديدة في تاريخ مشروعها الحضاري الوطني الذي يستهدف في هذه اللحظة التاريخية معالجة تحديات البلاد الكبرى السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي بذلك تقدم بين يدي الشعب التونسي وكل المهتمين والمتابعين، ما تعتبر أنّه قراءة مدققة وناقدة للأوضاع الداخلية والخارجية وإجابات مسؤولة لأهم القضايا المطروحة على الساحة، وذلك في إطار رؤية إصلاحية متجذرة في تجربة الإصلاح التونسي من أجل المساهمة في بناء تونس المستقبل : حرة وديمقراطية، نامية وعادلة، آمنة ومتسامحة، أصيلة وحديثة، مستقلة ومتكاملة مع محيطها.

لقد مثلت مرحلة الإعداد للمؤتمر مناسبة هامة للحوار الداخلي الواسع حول تجربة الحركة منذ التأسيس وحول الخيارات المستقبلية في ظل الدور المنوط بعهدتها كحزب كبير مشارك في الحكم ومتحمل لمسؤوليته في إنجاح الانتقال الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، اعتمدت لجنة الإعداد المضموني، من الناحية المنهجية، على العمل الدراسي العميق الذي تميز بأقصى درجات الانفتاح وعلى الحوار الداخلي والخارجي الواسع ضمانا لحضور مختلف المواقف والآراء في مرحلة تاريخية تحتاج فيها الحركة لرأي كل أبنائها ولرأي المختصين والناقدين من داخلها وخارجها.

وعلى امتداد سنتين تقريبا، أدارت اللجنة بكل اقتدار مختلف مراحل هذا المسار في ضوء قرارات مجلس الشورى وتوجيهاته، وقد تميز الحوار والتفكير خلال هذه الفترة بالتفاعل المستمر مع المستجدات التي عاشتها البلاد ومع المتغيرات التي شهدها العالم وخاصة في منطقتنا العربية.

وقد أثمر هذا الجهد مجموع اللوائح المضمّنة في هذا الكتاب والتي تمت المصادقة عليها في المؤتمر العاشر بعد أن حازت على نسبة كبيرة من التوافق الداخلي، ومن المهم التنويه أن هذه المضامين استفادت بشكل كبير مما جاء في نقاشات الأعضاء والمنخرطين من آراء ومقترحات، الأمر الذي جعل الأفكار والتصورات التي غطت مختلف المحاور تتبلور بالشكل المطلوب، فأعان ذلك المؤتمرين على التقرير المتوازن الرشيد وهيأ أقصى فرص النجاح لمؤتمر الحركة.

وكان العنوان الأبرز لهذا النجاح هو الانتقال بتجربة حركة النهضة إلى أفق جديد يستجيب لتطلعات التونسيات والتونسيين وانتظاراتهم في إطار حزب عصري منفتح وديمقراطي يستلهم من قيم الإسلام وتعاليمه ومن الكسب الإنساني، بدائله وبرامجه في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والفنون والإبداع ويسعى إلى تفعيل مضامين دستور الثورة وتنمية الحياة الخاصة والعامة وتحقيق الرفاه الاجتماعي وتنشئة جيل يملك التفكير الاستراتيجي

فبعد مسيرة طويلة ناهزت الأربعين عاما من النضال القاصد إلى تجديد الوعي الحضاري والإسهام في توفير حياة أفضل للتونسيات والتونسيين، ضمن مجتمع متحرر من الظلم والتخلف، وفي وطن منعتق من الاستبداد والتبعية، تقف حركة النهضة اليوم وِقفة مصيرية لتقرأ تجربتها وتجدد ذاتها وتسدد مسيرتها نحو مستقبل أفضل.

وبهذه الروح كانت الانطلاقة في إنجاز مضامين ولوائح المؤتمر مع محور التقييم الذي مثل قراءة واعية لتجربة الحركة أردنا من خلاله الاعتبار واستخلاص الدروس الأساسية بهدف التجديد والتطوير، فهو تعبير عن إيماننا العميق بأهمية النقد الذاتي باعتباره أساسا مبدئيا للوقوف على أسباب التعثرات والأخطاء من أجل تفاديها، وتثمين المكاسب المتحققة من أجل الاهتداء بها في تعزيز القدرات على الفعل في الواقع.

وفي هذا الصدد نؤكد على أن الحركة قد أفادت في مسيرتها من أفكار أبرز المجددين المسلمين، وانفتحت على آراء أكثر المفكرين انتصارا لقيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان في العالم، وذلك ما جعل هويتها تتشكل بطريقة ديناميكية مستمرة بدافع من التشوف إلى مستقبل يكون أكثر استنارة وتقدما وصلاحا.

وهذه المسيرة التجديدية هي التي أهلت الحركة في المجال السياسي لأن تتشكل اليوم حزبا وطنيا تونسيا حاملا لمشروع إصلاحي ينطلق من الثوابت الوطنية التي نص عليها الدستور ومن المرجعية الإسلامية والكسب الإنساني في قيمه السامية، ويعمل من أجل اعتماد الديمقراطية أساسا للدولة ومنهاجا في إدارة الشأن العام، وبناء مجتمع عادل يضمن الحياة الآمنة والكريمة لكل التونسيات والتونسيين في ظل سلام إقليمي وعالمي دائم.

إنه اختيار استراتيجي بالتخصص في مجال العمل السياسي مضت فيه الحركة بوعي وروية، وهي ترى أن المجتمع بكل مكوناته وتنظيماته المدنية مدعو أيضا للاضطلاع بوظائفه الأصلية في الدفاع عن قيمه ومصالحه والحفاظ على تماسك نسيجه وفاعليته. وتلك مهمة جسيمة تتطلب إبداعا فرديا ومشاركة جماعية وحسا مدنيا وتفانيا من أجل الغير ولفائدة الصالح العام.

وقد تضمنت لائحتا "الخيار الاستراتيجي" و"الرؤية الفكرية" الصادرتان عن المؤتمر العاشر ما يشكل أساسا منهجيا وتصوريا لهذا التوجه التجديدي.

وبقدر اهتمام الحركة بتطوير مشروعها وفق ما تتطلبه الساحة الوطنية من اقتدار وكفاءة، فهي تدرك جيدا أنها أمام استحقاقات جديدة تتعلق بالإسهام في إنجاح المشروع الوطني الناشئ عن ثورة الحرية والكرامة. وانطلاقا من ذلك، خلصنا في اللائحة السياسية إلى بلورة رؤية تهدف إلى تحقيق الإصلاح السياسي الشامل وتجسيد أهداف الدستور الجديد، من خلال التأكيد على تموقع حركة النهضة في الوسط المجتمعي العريض في إطار حزب ديمقراطي وطني منفتح وعبر المشاركة الوازنة في بناء ونهضة تونس الثورة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا وحضاريا وعلى مستوى الإشعاع الخارجي، ولا يمكن لمثل هذا المشروع أن يحقق أهدافه إلا إذا حظيت فيه فئتا الشباب والمرأة بالمكانة التي يستحقانها في الدولة والمجتمع.

ونظرا لأهمية الملف الاقتصادي الاجتماعي وأولويته قدمنا رؤية شاملة من أجل تحقيق الانتقال التنموي المطلوب والذي يتطلب الشروع في إصلاحات حقيقية وعميقة تقطع مع خيارات اقتصادية واجتماعية سابقة وتُفضي إلى توجهات وسياسات جديدة تفتح أفقا واسعا للبلاد وتحيي أملا فاعلا في نفوس كل التونسيات والتونسيين يدفعهم للعمل والمبادرة ويستنهض داخلهم طاقات الابتكار والتجديد بما يسمح بتنمية الثروات وتوزيعها بشكل عادل ومنصف بين الفئات والجهات.

وفي ظل ما يشهده فضاؤنا الجيوسياسي من تحولات استراتيجية عميقة خاصة مع استمرار خطر الإرهاب تأتي لائحة "التحدي الأمني ومقاومة الإرهاب" لنعرض من خلالها مقاربتنا للتصدي لهذه الآفة الخطيرة المهددة لأمن شعبنا واستقرار بلادنا ضمن إستراتيجية وطنية تضمن للمسار الديمقراطي أن يتعزز وللانتقال الاقتصادي أن يؤتي ثماره التنموية والاجتماعية. وهو ما يدعو كل الأطراف إلى توحيد الجهود واعتبار مكافحة الإرهاب قضية وطنية فوق الاعتبارات الحزبية والفئوية ومن المشتركات الكبرى الجامعة لكل أبناء تونس مهما اختلفوا.

وفي الأخير نعرض للائحة الهيكلية والتنظيمية وللقانون الأساسي الجديد، باعتبارهما الترجمة العملية لما انتهينا إليه من توجهات وخيارات في بقية اللوائح خاصة ما يتعلق بمقتضيات التحول إلى حزب عصري ديمقراطي ومنفتح. فتجربة الحكم واستحقاقات مرحلة ما بعد الثورة أبانت بشكل واضح عن أهمية مطلب الانفتاح بالنسبة لحركة النهضة على بقية المكونات الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع التونسي من شباب ونساء ونخب ومثقفين وغيرهم من فئات الشعب، ولن يتحقق ذلك إلا بإنجاز الإصلاحات الهيكلية الأساسية التي أكد عليها المؤتمر العاشر بكل وضوح، وبإرساء ثقافة تنظيمية جديدة تقوم على مبادئ الديمقراطية التشاركية والعمل المؤسساتي والشفافية والمحاسبة.

ولا يفوتنا هنا، التأكيد على أنه لم يغب عن ثقافة أبناء النهضة قط، حقيقة انتمائهم العميق إلى دوائر الانتماء والهوية المغاربية والعربية والإسلامية والإنسانية وحملهم لهمومها وفي القلب منها قضية فلسطين وتحرير القدس الشريف من الاحتلال الصهيوني الغاشم.

في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ الحركة والبلاد وبعد أن أنجزنا بتوفيق الله عز وجل مؤتمرنا العاشر بنجاح، نحتاج إلى مزيد التأكيد على المشتركات التي تجمعنا وعلى التوافقات التي أنجزناها من أجل تعميقها ومزيد بلورتها، ونعتبر أن تمسك حركة النهضة بخطها التجديدي وبمقاربتها الإصلاحية هو الذي سيؤهلها اليوم لأن تستوي حزبا وطنيَّ الإنتماء، ديمقراطيَّ المنهج، يعمل بهدي من قيم شعبه المسلم لبناء مجتمع عادل وضمان حياة كريمة لكل التونسيات والتونسيين.

ختاما نقدر أنّ القضايا الكبرى التي طرحها هذا المؤتمر والإجابات التي قدمها، سيكون لها تأثير مباشر على مستقبل التيار الإسلامي المعتدل بما يتجاوز البلاد التونسية إلى كامل المنطقة في اتجاه تقييم تجربته ومراجعة خياراته، خاصّة بعد إشعاع النموذج التونسي وما حظي به من احترام وتقدير .