أنت هنا

اللائحة السياسية

التحليل -الخيار -التنزيل

تمهيد

يقول الله سبحانه وتعالى:﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ الأنفال 53.

يتأطر المشروع السياسي لحزب حركة النهضة ضمن السياق الوطني العام الذي تشهده البلاد في مرحلة ما بعد الثورة، ويستهدف فهم التحديات الوطنية الكبرى ومعالجتها، ويقدم قراءات وإجابات وطنية مسؤولة، بقطع النظر عن الموقع المستقبلي للحزب في المشهد السياسي، وبصرف النظر عن علاقته بالحكم طرفا أساسيا، أو طرفا مشاركا أو حتى طرفا خارج السلطة التنفيذية، بيد أنه يحرص على أن يكون في الموقع الفاعل والمؤثر الذي يؤخذ بعين الاعتبار في بلورة السياسات أو في صناعة القرارات.

يهدف المشروع إلى رسم رؤية استراتيجية في التموقع السياسي والانتخابي، بناءً على فهم مشترك للواقع الداخلي والوطني ضمن رؤية جيوسياسية تقرأ جملة التحديات الوطنية والإقليمية والدولية الكبرى، ويسعى إلى تقديم تصورات للمعالجات الممكنة في سياق تقدير واع لموازين القوى الداخلية والخارجية، وتحديد الأهداف القريبة والوسيطة وآليات التنزيل والشروط المنهجية الهيكلية المساعدة على الأداء الأفضل.

ومما لا شك فيه أن هذا المشروع السياسي لا يمكن أن يسير إلا ضمن مقاربة تنموية إقتصادية واجتماعية وأمنية إستراتيجية تهدف إلى التغلب على التحديات الكبرى التي تواجهها البلاد وفي مقدمتها استكمال بناء المؤسسات الدستورية وتحقيق العدالة الانتقالية وإصلاح الدولة وإنجاز الإصلاح الاقتصادي الضروري ومكافحة الإرهاب وإدارة الشأن الديني إدارة راشدة.

يشتمل المشروع على أربعة محاور أساسية: التحليل والخيارات وآليات التنزيل ومعالم المشروع السياسي.

التحليل الاستراتيجي

يمثل التحليل لحظة حيوية في بناء الاستراتيجية المستقبلية ويكون ذلك من خلال فرز التحديات التي تواجه المسار الوطني والتفكير في المعالجات الضرورية الملائمة وفي مقدمة هذه التحديات:

تحدي إتمام بناء المؤسسات الدستورية:

يتسم المشهد المؤسساتي الجديد كما أفرزه الدستور بالتنوع والتعدد والتعقيد، وفي غياب الانسجام والتوافقات الأساسية، قد يتحول هذا التنوع والتعدد والتعقيد إلى واقع مربك للأداء ومعطل للإنجاز. بينما تذهب الكثير من الأطروحات التنموية منذ عقود إلى أن البلدان التي تبحث عن الإقلاع والنهوض، تحتاج عادة إلى تعبئة قواها السياسية والاجتماعية وإمكانياتها البشرية والمادية ضمن أطر موحدة ومحدودة، حرصا على مستوى أعلى من النجاعة والفاعلية. ومظاهر التعقيد في مشهدنا السياسي عديدة منها ما يعود إلى هواجس التأسيس عند صياغة الدستور، التي تتراوح بين الحرص على القطع مع” الاستبداد الرئاسوي“ والحرص على تفادي الوقوع في” استبداد الأغلبية البرلمانية“ وهو ما أدى إلى توزيع السلطة التنفيذية بين رئيسين يتشاركان في إدارتها: وهما رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، مع الحرص على إحداث التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية مما أنتج توزيعا وفصلا ووصلا بين المؤسسات على درجة كبيرة من التعقيد. وهو تعقيد قد تبرز بعض إشكالياته لاحقا، في ظل تقاسم للسلطة التنفيذية بين رئيس منتخب انتخابا مباشرا، ورئيس حكومة معينا.

ومن مظاهر التعقيد أيضا ما يعود إلى ما يشبه” الانفجار المؤسساتي“، الذي يعود إلى توسّع الدستور في توزيع السلطة من خلال استحداث خمسة مؤسسات دستورية، إضافة إلى المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء مما يجعل البلاد أمام مسالك قرار معقدة من حيث توزعه بين أكثر من مؤسسة وسلوكه لأكثر من طريق قبل أن يستوي نهائيا وناجزا. ومنها أيضا توزيع القرار بين مركز وأطراف وبين حكومة ومجالس محلية، في وضع تتردد فيه الحوكمة بين مزيد الطلب على الدولة وبين التقليل من الطلب عليها.

يمثل توزيع الاختصاصات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أبرز المظاهر الأساسية لتعقّد المشهد السياسي رغم ما جاء به الدستور من حل وسط يقترب من فكرة تقاسم السلطة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. يطرح هذا الخيار أيضا تحديات تتعلّق بنقاط تماس عديدة بين المؤسستين تحتاج الى ضبط وحسن إدارة. وقد أسند الدستور إلى المحكمة الدستورية مهمة البت في النزاعات المتعلقة بالاختصاص بين الرئاستين، وهو دور خطير ومؤثر في شكل النظام السياسي لأن المحكمة الدستورية ستكون الجهة الوحيدة المختصة بتأويل أحكام الدستور المتعلقة باختصاصات كل من الرئيسين.

يبدو التصور الجديد للامركزية طموحا وهو دون شك مكسب مهم لدولة القانون وتوزيع السلطات وتحقيق الديمقراطية التشاركية لكن تواجهه تحديات كثيرة وكبيرة مما يجعل تفعيله وتطبيقه على أرض الواقع أمرا في غاية الأهمية بالنسبة إلى مستقبل الأجيال القادمة، الأمر الذي يدعو الى بناء ثقافة جديدة غير مركزية تتأسس على التشارك والثقة في المؤسسات. فلقد أثبتت التجارب المقارنة أن نجاح اللامركزية لا يقتصر بالضرورة على النصوص والآليات، وإنما يلعب العامل الثقافي كذلك دورا أساسيا في إنفاذ هذه اللامركزية وتكريسها. كما يحتاج الجهاز الحكومي إلى اعادة هيكلة عبر مراجعة منظومة النصوص الموجودة لتأخذ بعين الاعتبار موقع الحكومة ومهامها حسب النص مع الأخذ بعين الاعتبار الدور المحوري الذي يجب أن تحتله رئاسة الحكومة داخل الجهاز الحكومي.

تحدي العدالة الانتقالية وتحقيق المصالحة الوطنية:

إن تطبيق منظومة العدالة الانتقالية التزام دستوري وسياسي وأخلاقي يجب الوفاء به. وقد توافق أغلب الفرقاء السياسيين على اعتماد مسار العدالة الانتقالية لتصحيح ما حفّ بتجربة البلاد السياسية من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بديلا عن منطق الانتقام والمحاسبة الجماعية من جهة وبعيدا كذلك عن منطق الإفلات من المسؤولية من جهة ثانية. وبقدر ما تنجح مختلف الأطراف الحكومية والحزبية والاجتماعية والمدنية في معالجة هذا الملف وحسن إدارة هو تدبيره، بقدر ما يساعد ذلك على تحسين مناخات الثقة والتوافق في المشهد الوطني. وبالتالي من المفيد للأطراف جميعا أن يكون هناك توافق عام حول فلسفة إدارة هذا التحدي وحدوده وحول آليات اشتغاله وحول ترتيب محطات مساره. وذلك على قاعدة احترام استقلالية عمل الهيئة وقراراتها، وضمانا للإنصاف مع التزام الدولة بتطبيق كل النتائج والقرارات والتوصيات ذات الصلة وإنفاذها وإقرارها، وفق ما نص عليه الفصل 148 من الدستور.

تحدي الإصلاح الاقتصادي:

تشهد البلاد انخفاضا واضحا لمستويات النمو يرافقه اتساع متزايد في المديونية وتراجع مستمر في الاستثمار خاصة في حجم الاستثمار الخاص الداخلي والخارجي. وبرز هذا التراجع والانخفاض الكبير للاستثمار في قطاع الصناعات المعملية مع تفاوت كبير بين الجهات في جلب الاستثمار الخاص. ويستوجب هذا الوضع السلبي التوجه السريع نحو اجراء إصلاح اقتصادي جريء وعميق والتحرك على المستويين الداخلي والخارجي ومضاعفة الجهود ضمن خطة فعالة من أجل تشغيل عجلة الانتاج وجلب مزيد من الاستثمارات الخارجية وحسن توجيهها وتحفيز الاستثمارات القائمة منها، من أجل تشجيعها على البقاء والاستمرار.

عرفت البلاد معدلات نمو غير كافية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فاقمها إسهام ضعيف وغير ملموس للفلاحة والصناعة في الناتج المحلي العام الإجمالي. مع عجز تجاري مزمن أهم سماته انخرام الميزان الغذائي والطاقي. ويعاني القطاع التجاري من العجز عن الانفتاح الكافي على الأسواق العالمية الجديدة، والاعتماد شبه الكلي على عدد محدود من الأسواق، لا سيما أوروبا. وعلى الرغم من الفرص المتوفرة، إلا أن البلاد تعتمد في صادراتها على السلع أكثر من الاعتماد على الخدمات. وتعاني صادرات تونس من الضعف الواضح في التكنولوجيا المتقدمة.

ولا شك أن التحدي الأكبر لا يزال يرتبط بالقصور الكبير في التخفيض من مستويات البطالة رغم استيعاب قطاع الخدمات لجزء منها. إذ تشهد البلاد تفاقما مقلقا للبطالة في صفوف الشباب والمتعلمين خاصة. وتعتبر المرأة أكثر ضحايا هذا الضعف في التشغيل إلى جانب الشباب، وتزيد البطالة في صفوف النساء الريفيات رغم دراستهن على 80 في المائة، بينما يعاني الشباب في الجهات خاصة الداخلية من تراجع فرص التشغيل وترتفع نسبة البطالة إلى أكثر من 30 في المائة. وعلى الرغم من أن واحدا من أهم أهداف الثورة هو تشغيل حاملي الشهادات، فإن الاقتصاد الوطني بوضعه الحالي عاجز على استيعاب بطالة أصحاب الشهادات.

التحدي الأمني وقضية الإرهاب:

تمثل ظاهرة الإرهاب إحدى التحديات الكبرى التي لا تواجه الدولة والجماعة الوطنية فقط، وإنما تواجه المشروع الوطني الذي تبشر به النهضة. وتزداد خطورة هذه الظاهرة من كونها تحولت إلى ظاهرة مستحكمة محليا وإقليميا، وتريد أن تثبت نفسها جزءا من المشهد العام لسنوات. وهي ظاهرة باتت تملك قدرة على زعزعة الوضعين السياسي والاقتصادي. وتسعى هذه الظاهرة الإرهابية إلى الاستفادة من التحولات العميقة التي تشهدها البلاد والإقليم والمنطقة العربية، بل وحتى العالم، للتوسع والانتشار. وتستغل الجماعات الإرهابية ضعف الحكومات القائمة، لمزيد إضعافها وتفكيك منظومة الدولة بهدف إقامة ما تُسميها "إمارات لدولة الخلافة" أينما أتيحت لها الظروف، من أجل فرض مشروعها المجتمعي. ولقد كانت سببا في تعثر إنجاز الدستور (جويلية 2013) وتغيير حكومتين (مارس 2013 وجانفي2014) بالاضافة إلى تخفيض الترقيم السيادي للدولة (تخفيضات متعددة سنة 2013) والتداعيات على مستوى الاقتصاد وخاصة قطاع السياحة (2015) .

تستند الظاهرة إلى عدد من العوامل الداخلية والخارجية وتعتمد على جملة من المحاضن التي تمدّها بعناصر الاستمرارية والديمومة، وأهمها:

  • المحضن الديني، إذ الظاهرة شديدة التلبس بهذا الفضاء ومن المهم للمجتمع وللحزب معا أن يقع الفرز بين الظاهرة الإرهابية والساحة الدينية وتخليص الإسلام السمح من خطف هذه الجماعات الإرهابية المنحرفة له.
  • المحضن الاجتماعي، لوجود أقدار من الالتحام بين الظاهرة وبعض المحاضن الشعبية، خاصة من الشباب الذي تضيق أمامه الآفاق الاجتماعية المستقبلية في الجهات الأقل حظا من التنمية.
  • المحضن الجغراسياسي، وما يوفره للظاهرة من فضاءات تدريب وساحات تجارب وتطوير للخطاب والمرجعية ومشاهد استعراضية تشكّل مادة لاستقطاب الشباب.
  • دون اغفال المحضن الدولي، إذ تساهم سياسة الهيمنة لدى بعض القوى الدولية، والحيلولة بين الشعوب وبين إرادتها تقريرَ مصيرها والتمتعَ بثرواتها وتحقيقَ سيادتها على أرضها وعلى أنظمتها السياسية، تساهم تلك السياسة في تغذية نزوعات التطرف والتنطع لدى بعض الجماعات التي تنشر الفكر المغالي وتجند الشباب ويتحول بعضها إلى ممارسة الإرهاب وتنفيذ المخططات الإجرامية ضد الدول والشعوب.

يضاف إلى كل ذلك جملة من العوامل الموضوعية المتعلقة بضعف العناية بالشأن الديني والمعرفة الدينية وأزمة الخطاب الإسلامي وفقدان الثقة بالمرجعية الدينية "الرسمية" التي تمت الاستعاضة عنها بمرجعيات وافدة في سياق العولمة، وإقصاء الفكر الوسطي المعتدل الذي تحمله الحركة الإسلامية المعتدلة ببلادنا لعقود. كما أن تراجع حضور الدولة في الفضاء العام أدى إلى تنامي الانفلات والانزلاق نحو العنف والأفكار المتشددة.

التحدي الإقليمي والدولي:

شهد فضاؤنا الجيوسياسي تحولات استراتيجية عميقة تعيد تشكيله وبناء تحالفاته وضبط موازين القوى التي تحكمه. ويمكن إجمال أهم ملامح التحولات الحاصلة في:

  • تدرج العالم نحو نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.
  • تعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين المؤثرين في سير الأحداث، مما يعني تقاطعا متحركا في استراتيجيات مختلفة وأحيانا متناقضة.
  • استقطاب إقليمي سعودي / إيراني في ما يشبه حالة الحرب الباردة ينعكس على مجمل المنطقة في صراع على النفوذ وارباك للأنظمة السياسية.
  • توازن القوى بين الحراك الشعبي والشبابي المطالب بقوة بتغيير الأوضاع وإقامة أنظمة ديمقراطية من جهة، وبين الأنظمة القائمة التي أثبتت قدرة على الصمود، بالتكيف حينا وبالتصدي أحيانا أخرى.
  • تراجع قدرة الدول الكبرى على إدارة أوضاع المنطقة، وتناقض الإستراتيجيات الإقليمية والدولية، الأمر الذي فسح المجال لقوى منظمة ومسلحة وعابرة للأقطار لإرباك أوضاع الدول وإقامة كيانات إرهابية لا تخضع للمنطق السياسي المألوف، وتهدد حدودها ووجودها.

شكلت الطائفية السياسية أحد بدائل الانتماء الوطني القائم على الحقوق والواجبات في إطار المساواة، وهي ظاهرة ازدهرت مع فشل مسار الدولة الوطنية الحديثة في تحقيق المواطنة وإقامة الديمقراطية. وأضحت كثير من القوى والأطراف الإقليمية (دولا كانت أو جماعات) تستخدم الطائفية في صراعاتها على النفوذ وتعديل موازين القوى وتمثل "داعش" أخطر التقاء بين الطائفية المتعصبة والمصالح السياسية.

ويطغى ملف الطاقة بشكل ملحوظ على هذه التحولات الاقليمية والدولية باعتباره لا يزال عنصرا أساسيا في اقتصاديات الدول وعمود كل الأنشطة في مختلف المجالات فضلا عن كونه يتركز في بلدان لا تنتمي إلى صف الدول القوية والمتقدمة اقتصاديا (الشرق الأوسط - إفريقيا) وبالتالي يعتبر التحكم فيه (منابع وممرات) عنصرا استراتيجيا في التحكم في مقدرات القوى المنافسة. ولا يخفى أن جل النزاعات في العالم تقع على خلفية الصراع على موارد الطاقة أو ممرات عبورها (أوكرانيا - ليبيا - ...).

ولا يزال الكيان الصهيوني يشكل عنصر إعاقة للنهوض الديمقراطي والاقتصادي والحضاري لدول المنطقة وفي المقابل فهو عامل محدد في السياسة الدولية في تصنيف الدول والأطراف بين "معتدل" و"متشدد"، وفي ضبط التحالفات الإقليمية والدولية ومحور أساسي في استراتيجيات الدول الغربية في المنطقة.

مخاطر المشهد الجيوسياسي:

يختزن الفضاء الجيوسياسي لبلادنا فرصا عديدة يمكن أن تساهم في نجاح المسار الديمقراطي واستقرار الأوضاع، وتحقيق التنمية الاقتصادية العادلة لصالح شعبنا. لكن التجربة تبقى مهددة من فضائها الجيوسياسي الخاضع لإعادة هيكلة عميقة، مما يقوي عناصر الهشاشة الداخلية الناتجة عن تبعات الثورة، والمرحلة الانتقالية نحو إقامة المؤسسات الدستورية الدائمة (احتقان اجتماعي -ارتفاع سقف المطالب - ارتباك النظام السياسي...). وتأتي أخطر التهديدات من الجوار المغاربي- الساحلي، المضطرب بشكل دائم والذي يلقي بطيف من التهديدات التي تزيد في تضخيم مخاطر الانتقال الديمقراطي : صعود الإرهاب، تطرف جزء من الشباب، توسع الجريمة المنظمة العابرة للأقطار، انخرام الأمن الحدودي، اضطرابات ونزاعات قابلة للاشتعال، ...كل ذلك يهدد أي نهوض اقتصادي واستقرار أمني في البلاد. كما أن بروز أول مجتمع عربي ديمقراطي في تونس، يعرضها إلى إستراتيجيات معادية لفاعلين إقليميين ودوليين، دولا ومنظمات معادين للخيار الديمقراطي. وتبقى البلاد بهذا المعنى مفتوحة على احتمالين أو فرضيتين إما الإرباك والتخريب، أو الدعم والتأمين.

تحدي تحديث مؤسسات الدولة:

على الرغم من التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد مع قيام الثورة فقد صمدت الدولة في استقرار كيانها وتوازن تمشيها ومسارها. كما حافظت على الطابع السلمي للثورة من خلال استمرار المرفق العام وضمانه، والحيلولة دون انجراف عام وفوضى عارمة تجهض الثورة. لكن الوقوف على حقيقة الدولة ومؤسساتها كشف كثيرا من الإخلالات والضعف حجبته عنا طويلا مقولات كبرى تعميمية كمقولة "تماسك الدولة" أو "حياد الإدارة". إن الخطر يكمن أساسا في التفكك الذي يعتري الدولة وفي الإعياء والترهل الذي أصاب مؤسساتها وفي منظومات الفساد التي دبت في أوصالها حيث لا يمكن الحديث عن تحقيق انتقال اقتصادي دون تحديث مؤسسات الدولة.

لكن إصلاح الدولة مرتبط باصلاح المجتمع ومؤسساته وتخليصه من الإعياء الذي يصيب الحالة الحزبية والمجتمع السياسي عموما، الذي يتعاظم انكفاؤه ويزداد، فيتراجع ويعجز عن وصل نفسه بالحراك الاجتماعي والمدني، وتضعف تبعا لذلك قدرته على ترجمة مصالح الناس وتمثيلها. كل ذلك له تأثير على العملية الديمقراطية الناشئة من حيث ضعف التعبئة وعزوف الشباب والناخبين وقلّة الأفكار السياسية المتداولة وعدم تجديد النخبة السياسية كأنّها ديمقراطية "قديمة" ومترهلة أصابها الإنهاك والتعب والإعياء، وتبحث عن أشكال جديدة لإنعاش السياسة وتعظيم قدرتها على تمثيل المجتمع والنهوض بأعباء تسييره.

تحدي مقبولية الحزب:

ساهم حزب حركة النهضة بفاعلية في صنع الدستور وتنازل عن السلطة مقابل إتمامه من خلال توافق وطني واسع أسس لجمهورية ثانية، وشكل كسبا تاريخيا وسياسيا كبيرا، إلا أن تجربة الحكم رغم الايجابيات الحاصلة (تأمين استمرارية الدولة - ضمان الحريات الأساسية للمواطنين - تبديد الشبهات حول الحزب في علاقة بقضايا مثل الديمقراطية وحقوق المرأة والتعددية ...)، كانت لها سلبيات عديدة خاصة على صعيد صورة "النهضة" التي تأثرت من منهجها في الحكم خاصة من جهة التردد وضعف الحزم لا سيما في ملف مقاومة الفساد بالإضافة إلى اتخاذها العديد من المواقف بشكل مرتجل مع غياب الكفاءة في بعض المواقع مما جعلها في نظر قطاعات واسعة داخل الشعب غير مؤهلة للحكم وأصبحت تتحمل وحدها لدى الرأي العام مسؤولية الحكم دون اعتبار لشركائها في "الترويكا".

يمثل ضعف مقبولية الحزب عامل إعاقة، من شأنه أن يحد من إمكانات التحالف والمشاركة والتواجد في فضاءات الحكم. فقد بينت استطلاعات الرأى أن علاقة حزب حركة النهضة بالحكم كان لها تأثير على صورته ومستوى مقبوليته الشعبية، تأثير سلبي أثناء التواجد في الحكم في علاقة بالأداء وموضوع الكفاءة، وتأثير إيجابي عند مغادرته له إثر الحوار الوطني وبروز معنى المسؤولية والتنازل من أجل المصلحة العامة ومع ذلك بلغ منسوب الرفض للحزب مستويات عالية أثناء تجربة الحكم، خاصة في صفوف الفئات الشبابية والنخب والنساء.

أما على الصعيد الخارجي فإنّ المعطيات الموضوعية للبلاد، ثم تقلبات الوضع الإقليمي والدولي تفرض على الحزب انتهاج سياسة خارِجية نشيطة سواء بهدف التوقي من التحديات والمخاطر، أو بهدف تأمين التجربة والحيلولة دون سقوطها لا قدر الله، فضلا عن ضمان حضور فاعل ونشيط لبلادنا وحزبنا على الصعيدين الإقليمي والدولي.

الخيارات الاستراتيجية:

يقف الحزب عند منعطف إستراتيجي جديد تفرضه مقتضيات هامة ومستجدة منها تغير اللحظة التاريخية وتغير إشكالاتها وتحدياتها والتطور النوعي الحاصل في العلاقة بالدولة. وبالنظر إلى عناصر التحليل السياسي والأمني والإستراتيجي للبلاد وللمنطقة، ومن خلال تقديرنا للخطوات المهمة التي حققتها تونس على صعيد نخبها ومؤسساتها ووعيها الشعبي من مكاسب مقدرة في مجال التعايش السلمي والانتقال الديمقراطي، يمكن أن نرجّح استمرار تقدم تونس نحو هدف تثبيت المسار الديمقراطي والانتقال التنموي الاقتصادي رغم العثرات والصعوبات المهمة. غير أن التعقيدات الكبيرة على المستوى الإقليمي والعربي والدولي خاصة، تجعل سينياريو ارتباك المسار التغييري وتدحرجه إلى مشهد تنهار فيه المؤسسات وتنكمش فيه هوامش الحريات، ويضطرب فيه السلم الأهلي ليس مستبعدا بإطلاق، ممّا يحتم علينا التأهل وإدراك مخاطر هذا الانحدار وبالتالي بناء التصورات والاستراتيجيات والخطط الاحتياطية.

خصائص اللحظة الراهنة:

يقف الحزب عند منعطف إستراتيجي جديد تفرضه مقتضيات هامة ومستجدة:

تغير اللحظة التاريخية وتغير إشكالاتها من:

  • الدفاع عن الهوية والتعبير عنها وعن المتمسكين بها (مرحلة التأسيس) ولقد نحجت الحركة نجاحا معتبرا في المساهمة في ترسيخ هوية البلاد العربية الاسلامية.
  • إلى الاسهام في بناء النظام السياسي الديمقراطي وصياغة دستور 2014.
  • إلى الإسهام في صياغة المشروع الوطني الحضاري الجامع والإجابة عن التحديات الاستراتيجية التي تُطرح على البلاد في إطار نظام قائم على الحرية والديمقراطية (اللحظة الراهنة).

تطور نوعي في العلاقة بالدولة باعتبار بعديها:

  • الدولة كـ"إمكان" أن تصبح إطارا حمائيا تحفظ الحرية والديمقراطية، ويستدعي ذلك إنجاح الانتقال السياسي لتثبيت الديمقراطية خيارا لا رجعة فيه على مستوى البلاد.
  • الدولة كإطار حضاري لتحقيق التنمية في كل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويستدعي ذلك صياغة خيارات تجديدية في كل المجالات ترشّح الحزب للتأهل إلى الحكم من خلال إقناع أوسع الفئات الشعبية بصلاحية خياراته التنموية وقدرته على معالجة مشكلات الناس وإنفاذ هذه الخيارات.

من أجل انعطافة استراتيجية تاريخية رشيدة وعميقة:

إزاء كل احتمالات المستقبل وتطوراته، تبدو الحاجة إلى أن نحدث الانعطافة الضرورية التي تمثل "واجب اللحظة" مؤكدة وماسة، في إطار ما يعزز جوهر مشروعنا في تثبيت خيار العمل على تحقيق الدولة الديمقراطية والاقتصاد الناهض والمجتمع المتوازن والمحيط الآمن والمتعاون ويؤمّنه.

أسهمت الخبرة المتراكمة لتجربتنا قبل الثورة وبعدها، في الرفع من مستوى الجدل الداخلي من وجوهه التكتيكية والتنفيذية إلى خلفياته وأبعاده الاستراتيجية، بمعنى الرصد والاستخلاص لمسيرة التجربة السياسية الكلية لحزب حركة النهضة في ضوء التحولات الوطنية والدولية من حيث الفهمُ والتحليل والنقد والاستشراف، وصاغ هذا المسار معالم جديدة في شخصية الحزب وهويته، رسخ خصائص وتخفف من أخرى، وحصل ذلك في الكثير من الأحيان بوعي وفي القليل منه دون وعي ولا تدبير.

بيد أنه استجابة لمقتضيات المسؤولية التاريخية في إطار التعاقد الجماعي، وبناء إجماعات مشتركة، تفرض اللحظة التاريخية الانتقال من سيناريو مرافقة الواقع والتكيف معه والاستمرار بالتالي في منهج التجربة والخطإ وفي المعالجات تحت وقع الضغوطات، إلى سيناريو الانعطاف الاستراتيجي.

إن الانعطافة الاستراتيجية المطلوبة التي نراها، بقدر ما هي قرار استراتيجي تاريخي، بقدر ما يجب النظر إليها كمسار في الزمن، ينبسط في الواقع تدريجيا وفي سياق ديناميكية داخلية وسياسية تؤثر في تنزيله.

بحيث تحقق المضي بالتدرج في تحقيق انعطاف حيوي للحركة باتجاه التموقع في الوسط العريض في اطار حزب ديمقراطي وطني ذي مرجعية إسلامية حامل لمشروع وطني إصلاحي وحضاري منفتح على الطاقات الوطنية الحية والكفأة والنظيفة قادر على وراثة الرصيد الوطني الإيجابي والمساهمة في قيادة البلاد نحو حلم مستقبلي يترجم أهداف الشعب في الديمقراطية والنهضة الاقتصادية والتقدم الاجتماعي والثقافي والأمن الشامل على نحو تصبح فيه النهضة حزب الإصلاح والنهوض الاقتصادي والاستقرار واستعادة مكانة الدولة الديمقراطية والعادلة ودعم سلطة الشعب وتشجيع المبادرة والتقليص من الدور الهيمني للدولة المركزية.

معالم الانعطاف الاستراتيجي والتموقع الجديد:

إن الانعطاف الإستراتيجي لا يأتي كانقلاب في المشروع السياسي الوطني لحزب حركة النهضة يقطع مع رصيده السابق في الإصلاح وإنما يمثل تطورا طبيعيا تتأقلم بمقتضاه "النهضة" مع مستجدات اللحظة التاريخية الجديدة، لتكون أكثر أهلية للإسهام في تحقيق تونس المستقبل فتتحول بمقتضى ذلك من منطق "الاحتجاج والمعارضة " الى منطق "البناء والمشاركة في الحكم ".

وبناء عليه، سيتدرج هذا "الانعطاف" للتموقع أكثر فأكثر بوعي وبتدبير إستراتيجي محكم إلى:

  • الوسط المجتمعي المحافظ العريض، الذي لا تفتأ الدراسات الديمغرافية ومؤسسات سبر الآراء تؤكد على أنه يمثل أكثر من 70 % من الشعب التونسي وأن "النهضة" بصيغتها الحالية لا تُقنع ولا تستقطب أكثر من ثلث هذا الرصيد الحيوي الكبير وأن أكثر من 50 % منه لا يجد إلى حد الآن التعبيرة السياسية التي تمثله وتحقق تطلعاته، وهذا الخزان المجتمعي يتموقع في "الطبقة الوسطى" وما دونها، فئات ذات مصلحة في التغيير والإصلاحات الكبرى اقتصاديا واجتماعيا وتــربويا...
  • دعم مكانة المرأة وتدعيم قدراتها والسعي الى تمكينها سياسيا واقتصاديا، تفعيلا لما نص عليه الدستور وترسيخا لتكافؤ الفرص والمساواة وتقديرا لجهودها الكبيرة في بناء الدولة والمجتمع ولنضالها ضد الاستعمار والاستبداد والاستغلال.
  • المراهنة الإستراتيجية على "الشباب" والاستثمار في تكوينه وإشراكه وتوريثه أمانة المشروع الحضاري المستقبلي باعتباره "الثروة الوطنية" والقيمة الثابتة بين يدي حزبنا ووطننا اليوم.
  • بناء جسور الثقة والتعاون مع هيئات رجال الأعمال المؤمنين بالانتقال الديمقراطي والإصلاح والسعي إلى توفير مناخ يساعد على قيام طبقة جديدة من المؤسسات الاقتصادية وتشجيع نهوض نسيج اقتصادي "منحاز" للثورة وللانتقال الديمقراطي والتنمية العادلة.
  • الانفتاح على النخبة الفكرية والثقافية والإعلامية وقادة الرأي في المجتمع وإرساء علاقات حوار وتعاون معها على أرضية "المشروع الوطني" والتعايش الحضاري.
  • تشجيع قيام مؤسسات حقيقية لمبادرات المجتمع المدني في شتى المجالات المجتمعية والتربوية والتنموية وتعزيز دورها في المجال العام والحرص على أن يتطور المجتمع المدني من حيث الكفاءة والالتزام والاستقلالية .

الانعطاف بين الطموح والواقعية:

إن الانعطاف الإستراتيجي نحو الوسط المحافظ العريض بقدر ما هو طموح تاريخي بقدر ما يحتاج تحقيقه إلى قدر كبير من الواقعية حتى لا يكون مجرد حلم. ومن مقتضيات الواقعية:

  • تصور مراحل منهجية وزمنية للتحول.
  • بناء خطة تكوينية شاملة لتعزيز الوعي بالتجديد والتطور.
  • المراهنة على الأرصدة المعنوية والبشرية والنفسية الأصلية وإشراكها في العملية التغييرية حتى تكون ضمانة للنجاح وليس عائقا دونه.
  • تثمين سياسة المراكمة والنمو الطبيعي بدلا عن ثقافة القطيعة والعمليات القسرية.

سيناريو الانتكاس:

قد لا يكون خيارا راجحا في ظل المعادلات القائمة اليوم ولكنه قد تفرضه استراتيجيات الإرباك التي تشتغل على ضرب استقرار التجربة التونسية وانخرام النموذج.

وتوقيًا من هذا السيناريو الخطير نقترح مجموعة من السياسات العليا من أهمها:

  • الإسراع بتحقيق شروط الوحدة الوطنية القوية على أرضية الدستور والبرنامج الإصلاحي الوطني والنأي ببعض الملفات الكبرى عن التجاذبات السياسية {ملف الإصلاحات الاقتصادية، الملف الأمني، ملف علاقات البلاد الخارجية، ملف العدالة الإنتقالية ...}.
  • المراهنة على وعي المجتمع التونسي والاستثمار في التواصل مع الشعب باعتباره صمام أمان أمام مخططات الارباك بالعمل على تجديد الثقة بين المواطن والسياسة وتحقيق إنجازات مادية لتحسين ظروف حياة الناس.
  • تبني استراتيجية تواصلية جديدة إزاء نخبة المجتمع الوطنية الفكرية والثقافية والاجتماعية والمالية والسياسية ضمن مشروع وطني إدماجي منفتح يجعلها عنصرا حيويا في حماية الوطن من مخاطر الاستهداف واستراتيجيات الاختراق والدفع إلى الاستقطاب وحرب الكل ضد الكل.
  • القيام على سياسة دبلوماسية نشطة ومتبصرة للحيلولة دون عزل حزب حركة النهضة والقوى الإصلاحية والوطنية عن المشهد والفعل، وربط علاقات تفاهم وتعاون وتحالف مع القوى الإقليمية والدولية غير المندرجة في استراتيجية الارباك، والسعي في تحييد الأطراف المرشحة للانخراط في هذه الاستراتيجية.
  • الانتقال بالعمل السياسي للحزب إلى مرحلة جديدة وإلى طور متقدم يتجاوز طور التأثر والمرافقة ورد الفعل تجاه المعطيات والأحداث والمنعطفات السياسية إلى امتلاك الاقتدار الاستراتيجي من حيث الرؤية والمنهج والخطط والآليات والعلاقات للفعل السياسي الحقيقي من موقع الوعي والقوة ويتأتى ذلك من خلال تقوية الحزب في المجتمع والدولة وتغيير موازين القوى بالتدرج وحيازة الكفاءة والمصداقية الداخلية والخارجية.

التنزيل : معالم المشروع السياسي المستقبلي :

نتعرض في هذا العنصر إلى معالم المشروع السياسي المستقبلي للحزب من حيث الرؤية والأهداف والأولويات ومحاور العمل.

الرؤية العامة

الإسهام في بناء تونس الثورة والدستور الجديد: حرةً وديمقراطيةً، ناميةً وعادلةً، آمنةً ومتسامحةً، أصيلةً وحديثةً، مستقلةً ومتكاملةً مع محيطها. تتشارك فيها الدولة والمجتمع والقوى الوطنية الحية في بناء مشروع للنهوض الشامل القائم على قيم؛ الحرية والعدل والوطنية والعمل والشفافية والأمانة والتشاركية والتضامن والمسؤولية والمبادرة والإدارة الرشيدة. وتكون فيه "النهضة" عنصرا حيويا فاعلا في المشاركة في تدبير الشأن العام مشاركة وازنة وناجعة وحكيمة.

ويتجلّى تميزها في خصائص مشروعها الوطني الإصلاحي الحضاري وفي مرجعيتها الإسلامية الأصيلة والمستنيرة وانفتاحها على قوى الصلاح والخير في المجتمع وفي انخراطها الرشيد في سياسة خارجية قائمة على قيم الحق والسلم والتعاون بين الأمم والثقافات وضمان حقوق الإنسان واحترام حق الشعوب في استقلالها وتقرير مصيرها وعلى رأسها الشعب الفلسطيني.

الأهداف الرئيسية للمشروع السياسي:

  • في المجال السياسي: الالتزام بدعم الإصلاحات الديمقراطية واحترام الحريات العامة والخاصة وضمان حقوق الإنسان وتثبيت استقلالية القضاء وحرية الإعلام.
  • العدالة الانتقالية: تحقيق عدالة انتقالية تضمن المحاسبة ورد الحقوق وتهدف إلى المصالحة وتقطع مع الماضي.
  • انتخابيا: كسب رهان الانتخابات القادمة.
  • في المجال الاقتصادي: بلورة منوال تنموي جديد يحقق الإقلاع الإقتصادي والعدالة الاجتماعية.
  • في المجال الأمني: تحقيق الشعور بالأمن والاستقرار في مفهومه الشامل وضمن مقاربة متعددة الأبعاد وبناء أمن جمهوري مقتدر.
  • في المجال المجتمعي: بناء مجتمع وسطي ومشهد ديني معتدل وفضاء ثقافي أصيل ومتعدد ونسيج اجتماعي متضامن وفاعل.
  • في مجال الإصلاح الإداري: تحقيق حوكمة رشيدة ومقاومة الفساد.
  • في مجال العلاقات الخارجية: تثبيت الاندماج الاستراتيجي الآمن للتجربة التونسية إقليميا ودوليا.

أولويات المشروع السياسي:

الملف الإقتصادي والتنموي:

تحتاج تونس إلى صياغة منوال تنموي ينطلق من استشارة وطنية واسعة، تتعبأ باتجاهها كل القوى الوطنية وكل الجهات، وينصت للخبراء والمختصين من الداخل والخارج، ويستدعي التجارب المقارنة الناجحة التي تتشابه من حيث البيئة والخصوصية مع بلادنا. ويرتكز هذا المنوال على المعرفة والعلم، ويهدف إلى توزيع عادل للثروة بفضل دور تعديلي للدولة. ويتطلب هذا الجهد الاصلاحي في المجال الاقتصادي ضرورة بلورة اتفاق إطاري عام حول الإصلاحات من حيث المضمون وأجندة التنزيل وحول الهندسة السياسية اللازمة للقيام على تلك الإصلاحات من حيث التشاركية والتوافق والسلم الاجتماعية. كما يتطلب أيضا إعادة ترتيب الأجندة الوطنية بحيث يكون السياسي والأمني في خدمة الأجندة الاقتصادية والاجتماعية ويتم تحييد جملة من الملفات الاقتصادية عن الخلافات والتجاذبات.

الملف الأمني ومقاومة الإرهاب:

أثبتت ظاهرة الإرهاب قابلية للتطور على مستوى الإستراتيجية والأساليب في مقابل منظومة أمنية لا تزال تشكو من عدة نقائص أهمها صعوبات الموازنة بين النجاعة الأمنية واحترام حقوق الإنسان وغياب الرؤية الكلية والأفق الاستراتيجي للمعالجة بالإضافة إلى ضعف الإمكانات المادية والقدرات التدريبية ونقص في المعدات والتجهيزات...

ولمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة المهددة لأمن شعبنا واستقرار بلادنا واقتصادها، ينبغي مزيد دعم قواتنا المسلحة وتعزيز إمكانياتها والاعتماد على مقاربة استباقية ووقائية شاملة متعددة الأبعاد تشمل تحصين الفضاء الديني وتطويق الظاهرة أمنيا وعزلها اجتماعيا وخنقها اقتصاديا ومحاربتها فكريا ودينيا، وهو ما يدعو كل الأطراف إلى توحيد مقاربتهم لهذه الظاهرة الخطيرة واعتبار مكافحة الإرهاب قضية وطنية فوق الاعتبارات الحزبية والفئوية ومن المشتركات الكبرى الجامعة للبلاد.

تحديث الدولة والإصلاح الإداري الشامل:

يجب العمل على إصلاح الدولة بما هي مجموعة من المؤسسات والإدارات والأنظمة والقوانين والإجراءات والوظائف وبما هي اختصاصات أفقية وامتداد بين مركز وجهات وبما هي اختصاص بوظائف دون غيرها. كما يجب العمل على استعادة هيبة الدولة بعد الضعف والاهتراء الذي أصابها والتفكك الذي اعتراها، وإنجاز ذلك في إطار احترام القانون والالتزام به وذلك معنى دولة القانون. ويحتاج التداول على السلطة إلى إرساء علاقة جديدة بين الإدارة والحكومة مبنية على الحياد والتعاون والكفاءة. إن إصلاح الدولة وفقا لموجهات الدستور يُعتبر "أم المعارك" الإصلاحية، ولا يتصور النقلة إلى منوال تنموي جديد دون إصلاح لأداته الاستراتيجية: الدولة. ولا يمكن الحديث عن تحقيق انتقال سياسي واقتصادي دون تحديث مؤسسات الدولة وإصلاح الإدارة على أساس متطلبات الحوكمة الرشيدة.

كما يجب العمل على استعادة هيبة الدولة وإنجاز ذلك في إطار احترام القانون والالتزام به وذلك معنى دولة القانون. ويحتاج التداول على السلطة إلى إرساء علاقة جديدة بين الإدارة والحكومة مبنية على الحياد والتعاون.

المشروع الثقافي: الأهداف والخيارات

إن المشروع الثقافي الوطني الجديد -الذي نرنو إليه -منفتح على مختلف التوجهات الثقافية الكونية بما يعني الإيمان بالتثاقف الايجابي. تجسيدا لقيم دستور الثورة الذي ينص على البعد الكوني المثبت لفكرة التثاقف والمتطلع إلى أفق أكثر انفتاحا على ثقافات أخرى أوسع من الفضاء الأورو متوسطي دون انتقائية أو إقصاء.

تثاقفٌ لا يحول دون توفير الحماية المطلوبة للروافد الثقافة تحقيقا لحرية الإبداع وحفاظا على مكتسبات الشعب التونسي الثقافية والفنية والأدبية. وذلك باتخاذ إجراءات وتدابير وقائية وتحفيزية للمبدعين والفنانين يتخذها المجتمع لحماية المبادئ التي توافقت المجموعة الوطنية على ترسيخها والتي تبقى لها قابلية التجدد والمراجعة حسب تطور المجتمع وصيرورته تجسيدا لمفهوم الأمن الثقافي.

وتضفي الثقافة على الحالة الإنسانية معناها وقيمتها النبيلة، واختلال التوازن بين السياسي والثقافي يؤدي إلى ذوبان المثقف وسقوطه في التبعية والانتهازية وعلى هذا الأساس فإننا نرى أن إستراتجية الأمن الثقافي مفهوم جديد للتعامل الناضج مع المسالة الثقافية ومظهر من مظاهر القدرة عل التحرر من أجل إقلاع تنموي وحضاري.

هذه رؤيتنا التي ينبثق عنها جملة من الأهداف أهمها:
  • تحرير الإبداع الثقافي والفني لتحقيق رهاناته في إطار المحافظة على ثوابتنا الحضارية.
  • تحرير المجال الثقافي من منزع احتكار السلطة. وذلك بالتشجيع على المبادرات الحرة المدعومة بجهد المؤسسات الأهلية والمدنية.
  • تأسيس أفق للحداثة الثقافية والسياسية يتجاوز الإخفاقات السابقة.
  • التوافق على مشروع ثقافي جديد يعيد للتونسي هويته في أفق عربي إسلامي كوني يحسم الفصامية التي أصابت الثقافة السائدة ويحقق قيم المواطنة.
التوصيات في مجال الخيارات الثقافية الكبرى:
  • اعتماد مبادئ الثورة كأرضية جامعة وأساسا للإبداع الثقافي.
  • اتخاذ التدابير اللازمة لإيصال الثقافة إلى كل الجهات والمناطق خاصة المهشمة منها ودعم إنتاجاتها وتثمين مخزونها وخصوصياتها الثقافية.
  • ضمان حرية التعبير الإبداعي وحق الاختلاف، والالتزام باحترام القيم المشتركة، والارتقاء بالذوق العام.
  • العمل على ترسيخ مبادئ الثقافة العربية الإسلامية بما يجذر المجتمع التونسي في هويته وعقيدته ولغته.
  • الانفتاح على الثقافات الإنسانية الأخرى بما يمكن من الإسهام في بلورة الكوني الإنساني.
في مجال التشريعات والحقوق الدستورية:
  • السهر على تفعيل المبادئ الدستورية المتصلة بالحقوق الثقافية القادرة على حماية المثقف والدفاع عنه.
  • الترفيع في ميزانية وزارة الثقافة.
  • مراجعة القوانين الخاصة بالاستثمار في المجال الثقافي والملكية الفكرية والفضاءات الثقافية.
  • إصدار الأنظمة الأساسية لكل المهن والقطاعات والإطارات والمؤسسات الثقافية.
في مجال الإدارة الثقافية:
  • إعادة النظر في المجلس الأعلى للثقافة وتطويره إلى هيئة مرجعية استشارية.
  • تنظيم استشارات وطنية حول قطاعات العمل الثقافي.
  • تطوير هيكلة المندوبيات الجهوية للثقافة، وإحداث مجالس يعهد لها ضبط السياسة الثقافية حسب خصوصيات الجهة والتنسيق بين مختلف المتدخلين، بما في ذلك جمعيات المجتمع المدني.
  • الانفتاح على النخب الوطنية بكل أطيافها والاستفادة من قدراتها لصالح الوطن بما في ذلك النخب المهجرية.
في مجال التنمية والتنشئة الثقافية:
  • تأهيل البنى التحتية لدور الثقافة والمركبات الثقافية ودعم التجهيزات.
  • مراجعة سياسة المهرجانات الثقافية (الدولية والوطنية ...) من أجل تلبية الحاجات الثقافية الحقيقية للمواطنين والارتفاع بالذائقة الفنية.
  • وضع سياسة متكاملة للعناية بالمواهب الشابة واعتماد خطة وطنية للنهوض بثقافة الطفل بالتعاون مع الأطراف المعنية.
  • تشجيع إنشاء الصالونات الثقافية الحوارية في شتى مجالات الثقافة والمعرفة.
  • إعادة الاعتبار للصندوق الوطني للتنمية الثقافية وتشريك المجتمع المدني في الاستفادة من موارده.
  • إعادة النظر في السياسة المتبعة في السياحة الثقافية ووضع برامج واضحة وعملية لإحياء التراث المادي واللامادي والموسيقى الشعبية الفلكلورية والاستعراضية ودعم المتاحف المتصلة بها.
  • المساعدة على ترويج المُنتَج الثقافي التونسي بالخارج.
  • إعادة النظر في هيكلة، وتفعيل، المؤسسات الثقافية الوطنية الكبرى (بيت الحكمة، المكتبة الوطنية، المسرح الوطني والفضاءات الثقافية الخاصة المدعومة من الدولة..).
  • صياغة خطة وطنية بمساهمة المؤسسات الاقتصادية ورجال الأعمال لتطوير البنية الأساسية والتجهيزات الثقافية ولا سيما في المناطق الداخلية والمحرومة

الرؤية في الإصلاح التربوي :

منطلقات الإصلاح التربوي و مرجعياته:

إن الإصلاح أداة للتغيير ووسيلة لمواجهة التحديات وتحقيق الأهداف التي من أجلها قامت الثورة في جميع المستويات. ولكي يؤتي ثماره ينبغي أن يقوم على قواعد وأسس متينة ودعائم ثابتة تضمن فاعليته واستمراره. وأنّ أيّ عملية إصلاحية لا تقوم على الانطلاق من الذات الحضارية والتمكن من ناصية العلم والمعرفة والتكنولوجيا آخذة بعين الاعتبار ما توافق عليه الشعب التونسي في الدستور وما أتت به الثورة من قيم وما أنجزه الخبراء والمصلحون في مراحل متعددة من تاريخ تونس مآله الفشل. فالإصلاح الفعال يتأسس على المرجعيات أو المنطلقات التالية:

  • الدستور: دستور الجمهورية الثانية.
  • الهوية الثقافية والحضارية للشعب التونسي.
  • قيم الثورة التونسية: الحرية والعدالة والكرامة.
  • القيم الكونية.
  • الإرث الإصلاحي التربوي التونسي.
  • التجارب العالمية الناجحة.

فالمنظومة التربوية ينبغي أن تؤسس لمجتمع مدني أو نموذج مجتمعي يقوم على أساس الحرية والمواطنة والقانون تحكمه دولة مدنية تقوم على أساس نظام جمهوري ديمقراطي تشاركي يضمن التداول السلمي على السلطة وتحتكم إلى علوية القانون وإلى دستور يجسم الإرادة العامة وسيادة الشعب.

مقتضيات الاصلاح:

ويكون الاصلاح منهجيا ومتوازنا بـــ:

  • دعم دور التعليم في تثبيت مقومات النظام الجمهوري الديمقراطي التشاركي والانفتاح والاعتدال والوسطية.
  • تفعيل القيم والمضامين القيمية للمنوال التنموي الشامل القائم على مبادئ التنوع والتكامل والشمول والانفتاح وإحياء القيم الفاضلة التي تستند إلى مرجعيتنا الاسلامية باعتبار أن الإسلام رسالة إنسانية ودين شامل لكل القيم الانسانية الكونية مثل حقوق الانسان والتواصل بين الشعوب والثقافات.
  • الانطلاق من الموجهات الوطنية وهي جملة الثوابت والمكاسب الوطنية (الهوية العربية الاسلامية - نمط المجتمع - دور المرأة في الحياة المدنية العامة ودعم المكاسب التي حققتها - ...)
  • التأكيد على مطالب الثورة وأهدافها التي قامت من أجلها وانتظارات الشعب منها حول الشغل والكرامة والقطع مع كل أشكال الفساد السياسي والاقتصادي والإداري وتحقيق التنمية الجهوية المتوازنة والعادلة.
  • الاستفادة من رصيد التجارب التربوية الناجحة والمتميزة عالميا.
  • استثمار المخزون الحضاري والثقافي والإصلاحي للمجتمع التونسي ولرواد حركة الاصلاح فيه (الصدق -الامانة-نظافة اليد-الاخلاص-التعاون-التكافل الاجتماعي -...).
  • الانفتاح على كل الحضارات والثقافات الانسانية والتفاعل معها والاستفادة من كل منجزات العقل البشري المعرفية والتقنية والعلمية في كل المجالات.

وبالاعتماد على هذه المنطلقات التي ترقى الى مستوى الرهانات الكبرى للمشروع التنموي الشامل يبدو لنا جليا البعد الاستراتيجي لمشروع إصلاح التعليم سواء كان في بعده القيمي والفكري والمعرفي أو التربوي التعليمي او الثقافي الابداعي.

الرؤية في إدارة الشأن الديني:

أهمية الدين لدى التونسيين:

للدين الإسلامي موقع أساسي بالنسبة إلى عموم التونسيين ويمثل لديهم معنى اعتباريا مهمّا جدا ويقدرون دوره في المحافظة على الأخلاق في حياتهم. ويرتقي مطلب الأمن الروحي عندهم إلى مصاف المطالب الأساسية على مستوى الفرد والمجتمع. فلا خلاف بين التونسيين حول اعتبار الإسلام الركيزة الأساسية للهوية التونسية وأن الدين الإسلامي بمقاصده السامية وقيمه الأخلاقية العالية يترسخ في عمق وعيهم ويوجه إلى حدٍّ كبير سلوكهم. وضمن سياق التجربة التاريخية الثقافية للمجتمع التونسي تشكلت خبرة عميقة في التعامل مع المسألة الدينية تسعف الحاضر وتلهم في تحديد أقوم المسالك في تفاعل حيوي مع ما استقر في التجربة الإنسانية عموما من مكاسب ترشّد التعامل مع الشأن الديني وتدمجه في واقع تدبير الحياة في مجال التوجيه والتنشئة والإصلاح والتعمير والتنمية.

الرؤية

نسجّل في هذا الشّأن حاجة المجتمع الأساسيّة إلى سلطة معنوية رمزيّة موجهة إذ من الأسباب الأساسيّة لانخرام التوازن بين الدولة والمجتمع انهيار السلطة المعنوية للدّولة أي مصداقيّتها الأخلاقيّة والقيميّة بفعل الاستبداد والفساد ممّا يدعو إلى إعادة بناء العلاقة بين الدّولة وهذا الفضاء على مقتضى الدّستور الذي اختار لفظ الرّعاية لتحديد هذه العلاقة وضبط مقتضاياتها.

والدولة وفق هذا المعنى الدستوري كما نراها تجمع بين الصفة التقريريّة والحياديّة، تقريريّتها غير احتكاريّة وحياديّتها غير مستقيلة. هي رعاية مسؤولة دافعها المصلحة الوطنيّة والحفاظ على القيم الوسطيّة للدّين ورعاية الحقوق والمصالح العامّة، إدارة للشّأن الدّيني يعود فيها للدولة صفة التقرير والتحكيم مع إدارة الحوار والتشاور معا لعاملين في الحقل الديني في إطار جملة من المعايير والضوابط والقوانين بعضها تضبطه المؤسسة التشريعية وبعضها أهل الاختصاص العلمي "الشعائر والعبادات" وبعضها من خلال التعاقد المعنوي مع المجتمع المدني. فهي إدارة غير متروكة للمجتمع باطلاق وغير محتكرة من طرف الدولة باطلاق يُمنح بفضلها للدولة دورا استراتيجيا وتعديليا ورقابيا وفي ذات الوقت يوفر للمجتمع الإطار الذي يساهم بواسطته في هذه الإدارة بصيغة يتحول بها جزء من هذا الحقل تدريجيا إلى اختصاص من اختصاصات المجتمع المدني حتى يتحقق له التحصين الثقافي والمعنوي من الدعوات المتطرفة ويحافظ على نمط التدين الذي استقر في البلاد التونسية ويطور من واقع الفضاء الديني مؤسسات وسياسات وبرامج.

السياسات الدينية في ضوء الإصلاحات المستوجبة:

يفرض هذا الواقع القيام بجملة من الإصلاحات الجوهرية المؤهلة في ضوء رؤية استراتيجية تصحح اختلال التوازن الحاصل بين الدولة والمجتمع في مستوى التوجيه وبناء الرؤى والتصورات وبلورة القيم المشتركة حتى تكون نتاجا لحراك المجتمع وتضمن استقراره وانسجامه.

وتنبثق عن هذه الرؤية لإدارة الشأن الديني من منظور العلاقة بالدولة السياسات والإصلاحات التالية:

  • تأهيل الفضاء الديني بما ينسجم مع توجهات ومطالب الدستور الجديد.
  • انخراط الفضاء الديني في بناء المشروع الوطني الذي حددت معالمه خيارات الدستور الجديد.
  • تحصين الحقل الديني من التطرف والإرهاب ومن أنواع الاستهداف المختلفة التي تهدد ما استقر عليه التونسيون من نمط في التدين وسطي إصلاحي زيتوني.
  • تطوير الفضاء الديني بما يجعل منه فضاء هادئا متخففا من التوترات يتحقق فيه الأمن الروحي ويضمن التعايش.
  • تنظيم الفضاء الديني ومأسسته بما يوضح وظائفه وأدوار الفاعلين فيه ويدعم موارده.
  • ضمان صلة الفضاء الديني بالموروث الثقافي للمدرسة الإصلاحية التونسية في انفتاح على المعاصرة.
  • العناية بالإعلام الديني من جهة الاختصاص وتشجيعه لمعالجة القضايا الحيوية ذات الاحتياجات الوطنية والتنموية.
  • إعادة بناء المؤسسات الرسميّة وشبه الرسمية الراجعة بالنظر لوزارة الشّؤون الدّينيّة والمتعاونة معها والى مصالح حكومية أخرى مثل مؤسسة الإفتاء والمجلس الإسلامي الأعلى والمجلس الأعلى للثقافة والمجلس الأعلى للتربية كجهات اعتباريّة مرجعيّة، بصلاحيات وإمكانيات مالية وبشرية معتبرة مع ضمان تمثيل لكل الكفاءات والخبرات الفعليّة المشهود لها بالنزاهة والفاعليّة والإشعاع والأهلية لهذا الدور.
  • الشروع في مسار إصلاح شامل للجامعة الزيتونية بما يؤهلها للقيام بدورها كمنارة علمية ذات إشعاع عالمي والمساهمة في تطوير المضامين والخطاب الديني على أن يكون هذا الإصلاح نابعا من الإطارات العلميّة لهذه الجامعة أساسا.
  • رعاية التعليم الديني الأهلي وتنظيمه باعتباره تعليما تكميليّا موجها للعموم دوره التكوين والتثقيف في أساسيات الدين دون أن يكون للحصيلة المعرفية مفعول الشهادات العلمية.
  • إعداد إطار تشريعي ينظم الأوقاف والزكاة ويعيد لها دورها المدني بما يقوي المؤسسات المدنية الناهضة بالشأن الديني ويمنحها الحصانة المجتمعية والاستقلال المالي.
  • ضبط ومراقبة مصادر تمويل الأعمال المجتمعية في الجمعيات والمراكز بما يحفظ مجتمعنا من الاختراق الأجنبي عبر التمويل المشروط بتنفيذ أجندات خارجيّة.
  • إصلاح عميق للمضمون الديني والمحتوى التربوي ضمن المناهج الدراسية.

كلّ هذه العناوين والأهداف العمليّة يمكن أن تدشّن استئنافا لمسار الاصلاح تحت عنوان التحرير والتنوير.

المرأة: تعزيز المكاسب وتفعيل دورها الحضاري

تتبوّأ المرأة مكانة متميزة ضمن المنطلقات الفكرية لحزب حركة النهضة وضمن أولويات المرحلة القادمة وفي شتى مجالات العمل الحزبي والعمل التنموي.

ومن أجل تفعيل دور المرأة وتطوير أدائها المجتمعي وتمكينها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، نقترح جملة من السياسات والإجراءات في المجالات التالية:

المجال القانوني:
  • الدعوة إلى إحداث مرصد وطني للمساواة وتكافؤ الفرص ومناهضة كل شكل التمييز ضد المرأة.
  • دعم المكتسبات الدستورية وتفعيلها وتطويرها.
  • السعي إلى إصدار قانون شامل لمناهضة العنف ضد المرأة.
  • الدعوة إلى تنقيح قانون الوظيفة العمومية ومجلة الشغل لمعالجة ما تتعرض إليه المرأة العاملة من مختلف أشكال الاضطهاد والتشغيل الهش وعدم المساواة في الأجر والطرد التعسفي خاصة للحوامل والمرضعات والحرمان من التغطية الاجتماعية والتأمين على حوادث الشغل إضافة إلى التحرش الجنسي.
  • الترفيع في مدة رخصة الأمومة من ثمانية أسابيع إلى ستة عشر أسبوعا بالإضافة إلى حق التمتع بكامل الأجر مقابل العمل لثلثي الوقت لمدة سنتين.
  • إحداث دور حضانة، داخل كل مؤسسة بها 50 عاملة، تتمتع بخدماتها الأم وابنها لمدة 3 سنوات.
  • مقاومة ظاهرة استغلال المرأة في القطاع الخاص عبر دعم دور تفقديات الشغل والنقابات.
  • إحداث مزيد من مراكز رعاية المرأة المعنفة.
مجال التمكين الاقتصادي:
  • المساهمة في وضع الخطة الوطنية لدفع المبادرة الاقتصادية النسائية 2016-2020 وذلك بهدف التقليص في نسبة البطالة خصوصًا حاملات الشهائد العليا.
  • تعزيز فرص الريادة النسائية ورفع القدرات الإنتاجية بما يشمل إمكانية الحصول على التقنية والمعرفة والمهارات وهذه بعض المقترحات الإجرائية:
    • رفع نسبة مشاركة النساء في رسم السياسات والبرامج الاقتصادية.
    • خلق فرص لتنمية القدرات والمهارات الإدارية والتنموية.
    • تزويد النساء خاصةً الفقيرات بالتسهيلات التمويلية والتسويقية.
مجال التمكين السياسي للمرأة وتدعيم مشاركتها في إدارة الشأن العام:
  • تفعيل ما يضمنه الدستور من تكافؤ الفرص والمساواة والتناصف داخل المجالس المنتخبة.
  • تكثيف فرص تدريب المرأة وتكوينها لدعم قدراتها في المشاركة السياسية وفي مجال إدارة الشأن العام.
  • دعم مشاركة المرأة وترشحها في الانتخابات الجهوية والمحلية المقبلة.
مجال المرأة في الوسط الريفي والشعبي:

إيجاد برامج شاملة وخطة عمل لمعالجة جميع العقبات التي تعوق تمكين المرأة الريفية من تحقيق تطلعاتها ولتصبح مواطنة فاعلة في التنمية.

وهذه بعض المقترحات الإجرائية:

  • نفاذ مشاريع مدرة للدخل عبر تشجيع الاقتصاد المنزلي والحرفي والتمتيع بالقروض الصغرى.
  • التدريب ورفع وعي برامج محو الأمية.
  • الدعم لمندوبيات وزارة المرأة والوحدات الفاعلة في الولايات بالإطارات والتمويل.
  • تحسين منتَجات المرأة الريفية ومساعدتها على تسويقها.
  • الحث على تنفيذ البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لدعم الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل التي تعيلها المرأة.
مجال الإحاطة بالنساء ذوات الاحتياجات الخصوصية:

تفعيل التشريعات وتطويرها لضمان الاندماج الكامل في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للنساء ذوات الاحتياجات الخصوصية (سجينات/معوقات/ نساء عازبات) وبعث مراكز رعاية وتأهيل وإرشاد يتم إحداثها للغرض.

في الشباب وتجديد النخبة السياسية:

إن عملية الاصلاح تستوجب العمل على إعداد قيادات كاريزماتية تحمل رؤية سياسية للبلاد وتجسد حلم التونسي (كما العربي عموما) الذي لا زال ينشدّ كثيرا إلى القيادة الكاريزماتية أكثر من المؤسسات والأفكار والسياسات، كما أن الانتقال السياسي والتنموي المطلوب يقتضي تضحيات كبيرة في الحاضر ورجّة نوعية في الثقافة والسلوك في علاقة بالشأن العام، تساهم القيادات الكاريزماتية بشكل كبير في إحداثها والإقناع بها، لذلك هناك حاجة لإفراز قيادات جديدة تحتاجها فضاءات الحكم، تجمع بين الاقتدار السياسي والكفاءة وحسن التصرف وتعمل على تكريس الشفافية والديمقراطية ومناهج العمل المؤسساتي والالتزام بقواعد التصرف السليم في الموارد المالية والبشرية داخل المؤسسات الحزبية والجمعياتية، ولن يحصل ذلك دون الانتقال من الأحزاب والمنظمات القائمة على دور الفرد إلى الأحزاب والمنظمات القائمة على رؤى وأهداف وخيارات وسياسات ومؤسسات ديمقراطية، تسعى لسد الفجوة بين الفضاء السياسي وقوى المجتمع. فالإبقاء على الفجوة أو اتساعها يفتح المجال أمام انخراط الشباب في المجهول (الإرهاب، الآفات الاجتماعية، ...)، او الانفلات الاجتماعي والتمرد على القانون ومصادمة الدولة، أو الاختراقات الخارجية بكل أنواعها (مالية، مخابراتية، إيديولوجية، أخلاقية...)، أو اليأس من القدرة على التغيير وتحقيق الانتظارات، المؤدي إلى الاستقالة والانتحار والإدمان...، فضلا عن الاصطفافات البدائية الجهوية والفئوية دون مراعاة المصالح الوطنية.

إن شرط الاصلاح يكمن في بروز قيادة للانتقال وتأهل الفاعلين في الشأن العام انطلاقا من:

  • بناء الخط السياسي والبرنامج الاقتصادي الاجتماعي على أساس القدرة على التقاطع مع أوسع القوى السياسية والاجتماعية.
  • توسيع دائرة الشراكة السياسية والتوافق الوطني على أساس دعم خيار الانتقال.
  • وضع القضية التنموية وقضايا الشباب على رأس الأولويات.
  • جعل "الانتقال الجيلي" خيارا استراتيجيا للبلاد يمكّن الشباب من الاندراج الفاعل في كل الفضاءات والمواقع.
  • الاستثمار الاستراتيجي في تجديد الأفكار والقيادات ووسائل العمل السياسي والتنموي في اتجاه صعود وطني للشباب والكفاءات والمبدعين.
  • بناء التحالفات السياسية على أساس الرؤى والبرامج والمصالح الوطنية والرهان على التوافق وعلى التشاركية في الحكم من أجل القيام بأعباء الانتقال السياسي والتنموي.
  • الانفتاح على فضاءات إنتاج الأفكار والطاقات (أحزابا وجمعيات ومراكز أبحاث ومؤسسات المجتمع المدني) في الداخل والخارج.

الحاجة إلى تأمين المسار الديمقراطي:

في سياق التحولات الدراماتيكية التي تعيشها المنطقة والتقلبات الخطيرة تبرز الحاجة بالحاح الى تامين المسار الوطني بالتركيز على جملة من السياسات والمواقف إزاء بعض الملفات الهامة وفي مقدمتها:

  • الملف الليبي: يكتسي الملف الليبي أهمية حيوية بالنسبة لتونس. ويأخذ الاهتمام إلى جانب متابعة الوضع عن قرب، تبني دبلوماسية إيجابية ونشطة، تتجاوز الحياد والتعاطف الإيجابي، إلى الحرص على التوسط بالحسنى بين الفرقاء، وحثهم على الركون إلى الحوار، ومساعدة ليبيا على تحقيق الاستقرار، بما يستجيب لتطلعات شعبها في التحول الديمقراطي وبناء دولة يتعايش في كنفها الجميع. وتونس معنية بإنجاح ودعم التجربة الليبية في جميع مساراتها، وبناء "تقارب استراتيجي" يعزز علاقات البلدين، ويؤمن لهما الاستقرار والتنمية والتكامل.
  • فاعلية دبلوماسية: ويقتضي ذلك القدرة على إدارة علاقات متينة ومتوازنة مع أخذ بعين الاعتبار مجموعة معادلات ترتبط بالموقف ممّا يُسمى بالإسلام السياسي، والديمقراطية والإرهاب، والنزعات الطائفية، وغيرها من العوامل المحددة لوضع المنطقة.
  • استراتيجية العلاقة بالجزائر: وما يقتضيه من إبداع في التحول بالعلاقة إلى مستوى إضافي، لمزيد تعزيزها ودعمها، لا سيما في سياق مبادرات شعبيه تُعزز "استثنائية العلاقة" بين البلدين. وتتوازى هذه السياسة مع استمرار التعاون في الملفات التقليدية على غرار مقاومة الارهاب والتهريب وتنسيق المواقف الاقليمية والدولية، لا سيما في الملف الليبي.
  • دور ريادي في التصالح والتضامن العربي: الحرص على تفعيل الدور التونسي في المصالحات والوساطات العربية، وهو ما يحتاج إلى رمزية قيادات وشخصيات وطنية عديدة، بما يؤهلها للقيام بهذا الدور، ويمكن تونس من لعب دور ريادي.
  • الاستفادة من الاستقرار النسبي للتجربة التونسية لاستجلاب الدعم الخارجي لإنجاج الإصلاحات العميقة التي تحتاجها البلاد على المستوى الاقتصادي خاصة.
  • تنويع وتوسيع العلاقات الدبلوماسية استفادة من صعود قوى إقليمية ودولية جديدة، وإقامة علاقات متوازنة ومتنوعة والنأي بالبلاد وبالحزب عن التصنيف وحرب المحاور.
  • تسويق التحولات العميقة وإشاعتها في العلاقة بطبيعة حزب حركة النهضة ومشروعه الوطني. واستثمار مشاركة معقولة وحكيمة وموزونة في الحكم من شأنه أن يعزز مقبولية الحزب في الأوساط الوطنية والدولية، بما يرفع الكثير من التحفظات عليه.

محاور التنزيل:

في العلاقة بالدولة والمشاركة في الحكم:

نؤكد بان الثورة رغم محاولات التنكب والعودة إلى الوراء فرضت حقائق سياسية وموازين قوى جديدة تحررت تبعا لها الإرادة التونسية تجاه الإصر والأغلال التي كانت عليها. وانفتحت أفاق العمل الإصلاحي واسعة أمام جميع القوى السياسية والمدنية.

وبالنظر لأهمية الدولة ومؤسساتها من حيث حاجتها المتأكدة للإصلاح ومراجعة منظوماتها المختلفة لكي تواكب سياق عهد الحرية والديمقراطية.

ومن حيث أهمية الدور الذي يمكن أن تنهض به للمساهمة في إنجاح المسار الانتقالي وتحقيق الأهداف الوطنية الكبرى.

ومن حيث الرهان على أن تسهم في بناء وإشاعة المشروع النهضوي في تكامل مع سياقات المنطقة والمتغيرات الدولية الكبرى.

فان خيار المشاركة في الحكم هو الخيار الأمثل لكي ينال الحزب الموقع الذي يتيح له استمرار العلاقة الايجابية مع الدولة والمساهمة في دمقرطتها واصلاحها من ناحية ودعم إمكاناتها المادية والمعنوية للمساهمة في إنجاح التجربة ورفع التحديات وتحقيق الأهداف من ناحية ثانية.

ولئن أبان تقويمنا لتجربة المشاركة في الحكم عن إخلالات مهمة تتصل بضعف الرؤية الموجهة واضطراب المنهج ونقص في المعرفة والكفاءة إلا أن المبدأ في حد ذاته كان صائبا، فالمراجعة المطلوبة مستقبلا لا تتعلق من وجهة النظر هذه بصلاحية أصل المشاركة وإنما بمنطلقاتها وبحجمها وبأساليبها وبالسياسات الاتصالية المصاحبة لها وبتحدي المصداقية والكفاءة في التوظيف البشري.

إذن فان المشاركة في الحكم خيار يقوم على دواعي تتعلق بالمصلحة العامة الوطنية ضمن مقاربة إصلاحية تحمل هاجس التغيير وتحقيق الأهداف الحضارية فهي بهذا المعنى مشاركة مشروطة بالأهداف التي أدت إليها كخيار وليست مطلوبة لذاتها تتأصل في الرؤية الفكرية والاستراتيجية والسياسية المبيّنة وفي القيم والمبادئ والمنظومة الأخلاقية وفي القراءة الموضوعية لموازين القوى وفيى مدى تأهل الأطراف الأخرى الشريكة إلى الارتقاء لمستوى المصلحة العليا الوطنية وأخلاق الوفاق.

وعليه فإن خيار المشاركة في الحكم يقوم على شروط ضرورية تتصل بالبرنامج الإصلاحي وبالمنهج الديمقراطي وبالإدارة الرشيدة وبالتوازن بين أطراف الشراكة وإذا انتفت هذه الشروط فإن هذا الخيار يفقد مقوماته وصلاحيته.

أمّا من حيث الحجم فان تصورنا للشراكة في الحكم يقوم على معادلة دقيقة ومتوازنة:

  • طرفها الأول: أن تكون شراكة وازنة فاعلة وقاصدة فلا نُهمّش.
  • طرفها الثاني: أن لا تؤدي إلى الهيمنة أو التفرد فتُستهدف.

من المهم التنويه إلى أن العلاقة بالدولة تتضمن العلاقة بالحكم ولا تنحصر فيها. فالدولة أشمل من السلطة السياسية رغم حيويتها ولذلك فان عنايتنا ينبغي أن تتجه كذلك إلى مجمل مكونات الدولة ومؤسساتها وخاصة:

  • بالانكباب على الترسانة القانونية والتشريعية مراجعة وإصلاحا وتبسيطا.
  • بتطوير الإدارة وإصلاح مفاصلها وإعادة النظر في منظوماتها وتقاليدها وثقافتها.
  • بتطوير علاقات الدولة بالمجتمع والمحيط الإقليمي والدولي في ضوء رؤية تؤكد على الدور التعديلي وتستبعد تدريجيا النمط الهيمني للدولة على المجتمع ومن خلال ذلك المساهمة في تفعيل دورها في محيطها الإقليمي والدولي بعيدا عن علاقات التبعية وعن نزوعات الانكفاء.

التحالفات السياسية:

إن التموقع في الوسط الفكري والسياسي والاجتماعي الذي هو من مقتضيات الخيار الإستراتيجي المستقبلي للحزب وما تقتضيه حاجة البلاد إلى الإصلاحات الكبرى للسنوات القادمة تأهيلا للدولة وللمجتمع وللقوى الحية حتى تنجح التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي والتنموي وبناء على حجم التحديات الكبرى التي تعترض مسيرة الإصلاح والإقلاع وتعذر نهوض حزب بشكل منفرد أو عائلة سياسية مخصوصة بمسؤولية الحكم والأعباء الوطنية، فان حاجة البلاد ستكون متأكدة خلال السنوات القادمة الى الحكم التشاركي والفكر التوافقي في إدارة الخلافات والعناية بالشأن العام إلى حين ترسيخ معالم الدولة الديمقراطية العادلة وإرساء ثقافة التنافس السياسي ونضج منطق الأغلبية والأقلية.

غير أن هذه التوافقات لئن كانت مطلوبة على أوسع نطاق بين مختلف العائلات الفكرية والسياسية والاجتماعية فإنها لا تكون ذات مصداقية إلا إذا جمعت على أرضيّة برنامج وطني إصلاحي مشترك:

  • العائلة الإسلامية الديمقراطية وعلى رأسها النهضة.
  • أصحاب التوجهات الوسطية المعتدلة في العائلة الدستورية.
  • العائلة النقابية وخاصة الأطراف الوطنية غير الإيديولوجية.
  • المنظمات الوطنية الممثلة لرجال الأعمال والفلاحين وبقية فئات المجتمع وشرائحه.
  • القوى السياسية والأحزاب والشخصيات من العائلات الديمقراطية والقومية واليسارية المعتدلة.
  • جمعيات المجتمع المدني وقادة الرأي في المجتمع من مفكرين ومربين وعلماء دين وفنانين وإعلاميين ورياضيين ...،

على نحو يكون فيه اللقاء على قاعدة القيم الحضارية والمصلحة العليا للبلاد والبرنامج الوطني الديمقراطي الإصلاحي بعيدا عن كل الحسابات الضيقة والصراعات الإيديولوجية العقيمة والمعيقة للعمل المشترك وللوحدة الوطنية.

الموجهات العامة لعلاقاتنا الخارجية:

إن المعطيات الموضوعية لبلادنا، ثم تقلبات الوضع الإقليمي والدولي من حولنا تفرض علينا سياسة خارِجية نشيطة سواء بهدف التوقي من التحديات والمخاطر، أو بهدف تأمين التجربة والحيلولة دون سقوطها لا قدر الله، فضلا عن ضمان حضور فاعل ونشيط لبلادنا وحركتنا على الصعيدين الإقليمي والدولي.

ومن أهم الموجهات في هذا المجال الحيوي:

  • الحفاظ على علاقات تواصل وتعاون مع الأطراف الدولية التي لها صلات قوية مع تونس بحكم ميراث التاريخ وثقل المصالح، مع انفتاح أكبر على القوى الدولية الصاعدة وفي مقدمة ذلك الصين والهند والبرازيل وغيرها، بما يتناسب مع التحولات الحاصلة في المشهد الدولي، ثم مع استراتيجية تنويع علاقاتنا وتطويرها بصورة تدريجية.
  • التأكيد على مبادئ التضامن العربي والإسلامي ورفض الاحتلال والتدخلات الخارجية في شؤون دول المنطقة، والعمل على حل المشكلات والأزمات بروح الحوار والتوافق، ومن ذلك تفعيل دور الجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي واتحاد المغرب العربي بما يخدم مصالح الشعوب العربية والإسلامية، ومناصرة قضايا العدل والحرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
  • مواجهة نزوعات التعصب الديني والصراعات الطائفية والعرقية التي باتت تعصف اليوم بالكثير من البلاد العربية والإسلامية وتهز عوامل الاستقرار فيها. والحرص على رأب التصدعات وبناء المصالحات بين مكونات الجسم العربي والإسلامي في إطار التعدد.
  • العمل على بناء المغرب العربي الكبير وتحقيق التكامل الاقتصادي بين بلدانه، خدمة لأهداف التنمية المشتركة ودعم أواصر الأخوة وعمق الروابط الثقافية والجغرافية التي تشد شعوب المغرب العربي، والدعوة إلى حل الأزمات بروح التوافق وتوازن المصالح.
  • أخذ معطيات الجغرافيا السياسية لتونس بعين الاعتبار، وما يقتضيه ذلك من الاهتمام بالجوار المباشر، وخصوصا الجارين الجزائري والليبي بحكم خصوصية العلاقة، ثمّ لِمَا لهما من تأثير سياسي واقتصادي وإستراتيجي.
  • الانفتاح على القارة الافريقية استنادا إلى عمق الروابط التاريخية والثقافية، ثم لما تتوفر عليه من فرص اقتصادية واعدة ثم لعمق الصلات التاريخية والثقافية بأفريقيا.
  • تطوير علاقاتنا بالدول الصديقة، خصوصا تلك التي وقفت الى جانب الثورة التونسية ومشروع التغيير في المنطقة، مع العمل على تحييد القوى المناوئة والحد من غلوائها في مناهضة التجربة التونسية.

السياسة التواصلية أو تطوير الصورة:

بينت بعض دراسات الرأي أن الصورة الإجمالية لحزب حركة النهضة، تتمثّل في أنه يتصدر الأحزاب في مجال الدفاع عن الهوية والدين وهذا عنصر إيجابي ورأس مال رمزي مهم يجب المحافظة عليه وتطويره. ولكن هناك انطباع لدى البعض ان "أفكار الحزب" لا تزال تخيف شرائح مهمة في المجتمع وهو أمر يدعو إلى عدد من المراجعات لبعض الأفكار من ناحية ورفع الالتباسات حول البعض الآخر وحسن عرضها من ناحية أخرى ولا سيما في مجال الكفاءة وإدارة تحقيق أهداف الثورة في الحرية والكرامة.

كما يرى جزء واسع من الرأي العام أن حزب حركة النهضة ينبغي أن يركز على مسائل الحكم وقضايا الدولة والمجتمع مثل الاقتصاد والأمن والخدمات والاستفادة من الكفاءات.

ومن ذلك يمكن ان نقترح بعض التوصيات لتطوير صورة الحزب لدى الرأي العام تمشيا مع المنعطف الجديد:

  • تثبيت المضامين والتوجهات المتعلقة بالدفاع عن الدين والهوية وإزالة ما اتصل بها من الالتباسات وما يثار حولها من تخوفات مفتعلة وربط القيم بمضامين اجتماعية مرتبطة بمشاغل الناس وحياتهم باعتبار الاسلام مرجعية مشتركة لأغلب التونسيين.
  • إبراز المضامين ذات الانتظارات الخاصة لدى الشرائح الواسعة في المجتمع من ذلك الاهتمام بالفقراء، محاربة الفساد، حزب منظم ومسؤول، نظيف اليد، له كفاءات ويتواصل مع الناس.
  • تركيز الجهد على بلورة المضامين الاقتصادية والاجتماعية وتوضيح الخيارات والرؤى وتقديم الحلول والبدائل.
  • تعميق النظر في ملفي المرأة والشباب في مختلف الأبعاد الفكرية والسياسية والاجتماعية والميدانية ووضع استراتيجية تواصلية جديدة لرفع الحواجز تجاه هاتين الشريحتين المجتمعيتين الحيويتين.
  • تعديل الخطاب وتطويره بما يؤهله لحمل المشروع الجديد للحزب والعمل على إيصاله للناس بشكل صادق وبليغ ومتجانس.
  • مزيد التركيز على الطبقة الوسطى والفقراء دفاعا عن مصالحهم وتمثيلهم.
  • الانفتاح على الكفاءات والطاقات وحسن توظيفها في مجال الإعلام وتنويع الفئات الممثلة للحزب وخاصة من الشباب والنساء.
  • بناء مؤسسة لإدارة الشأن الإعلامي كفأة وناجعة وفاعلة وفق استراتيجية واضحة ومدروسة تركز على الإعلام المرئي (يؤثر بنسبة 75 %) والإعلام الإلكتروني (يؤثر بنسبة 41 %) والإعلام الإذاعي ولا سيما الجهوي (يؤثر بنسبة 25 %)
  • مزيد العناية بالتسويق المحترف لصورة الحزب ولسياساته.
  • الرسالة الإعلامية الرئيسية للحزب تتلخص في كون النهضة :

قوة توازن اجتماعي وسياسي وسطي، وقوة تواصل بين المناطق الداخلية والمناطق الساحلية تتميّز بالمصداقية والذكاء وتستهدف فئات اجتماعية ومهنية وعمرية واسعة.

منهجية الانتقال نحو التموقع الجديد:

تحتاج عملية الانتقال إلى هذا الخيار أي باتجاه مزيد الانفتاح والتموقع في الوسط السياسي والاجتماعي الواسع إلى خطة انتقالية وتصور مرحلي ومنهجية وبيداغوجية مرافقة. ذلك أن الانتقال لا يُتصور ان يكون فجئيا وراديكاليا يقطع مع التجربة السابقة ومعطياتها الأساسية وإنما يكون على نحو تراكمي يؤمن الأرصدة الحالية ويُرشدها لمواكبة خصائص المرحلة القادمة من جهة وينفتح على الآفاق المستقبلية الجديدة وفق:

  • رؤية انفتاحية مكتملة من حيث الأولويات والأهداف والوسائل والآليات والآجال.
  • عمل تكويني وتأهيلي للرصيد الحالي حتى يواكب التطورات في غير إغتراب ولا تنطّع ولا إسقاط.
  • مرحلية محكمة تجعل الانفتاح حقيقة متطورة مع الزمن وعلى إيقاع رشيد يُعنى بالكم ولكن يهتم كذلك بالنوع.
  • إعداد الهياكل والإصلاحات التنظيمية العميقة التي من شأنها أن توفر الشروط المعنوية والقانونية والمادية لاستقبال الجديد واستيعابه في منظومة تكاملية تؤصل للديمقراطية الداخلية والشفافية العلائقية والعقلية الادماجية لتحقيق القيمة المضافة والنجاعة العملياتية والفاعلية السياسية.
  • إيلاء المسألة الفكرية والتخطيط الاستراتيجي الأولوية التي تقتضيها الاستحقاقات القادمة ورصد الاعتمادات البشرية والمادية والهيكلية الضرورية لبناء أجهزة التفكير والاستشراف للحزب وللبلاد.
  • بلورة إستراتيجية تواصلية علمية تحمل مشروع الإصلاح وقيمة الانفتاح وعناوين التجديد والتطوير داخل الحزب فكرا وسياسة وثقافة وتربية وهياكل في خطة تفصيلية لتقديم صورة تحقق المقبولية الواسعة ولتأهيل الرأي العام في الداخل وفي الخارج للإنخراط في عملية تقبل التطور في حزب حركة النهضة باعتبار ذلك مقتضى وطنيا ومندرجا ضمن إرادة صادقة واعتبارات قيمية وسياسية من أجل الصالح العام.