أنت هنا

اللائحة التقييمية

مقدمة

إنّ أكثر الحركات والأحزاب جدية هي التي تلتزم بمراجعة مسيرتها وتقييم حصائل إنجازاتها. ولا تنجز الحركة هذا التقييم للتوثيق التاريخي أو البحث النظري، فتلك مجالات لها أهلها من المؤرخين والمتخصصين، وإنّما لتجديد ذاتها بما يساعدها على حسن بناء مستقبلها ودعم قدراتها على الفعل والتأثير بشكل أفضل.

إن هذه اللائحة التقييمية تتضمّن حصيلة جهد جماعي من النقد الذاتي الذي أنجزته حركتنا بصورة إرادية وواعية، وأدارت من أجله حوارا داخليا جريئا على أوسع نطاق ممكن. وقد حددت لنفسها ضمن هذا السياق هدفا أساسيا هو الاعتبار من ماضيها عن طريق رصد وتنمية ما حققته بفضل الله من مكاسب؛ وتدارك ما وقعت فيه، بسبب قصورها أو تقصيرها، من أخطاء تحسينا للأداء وترشيدا للمسار.

وقد وقع الاعتماد في هذا التقييم على جملة من المقاييس أهمها : تمحيص المبادئ الأساسية والاختيارات الكبرى التي انطلق العمل على أساسها، والبحث في مدى وفاء السياسات المقرَّرة لتلك المبادئ والاختيارات، والتثبّت من مدى حسن تقدير مؤسسات القرار للموقف عند وضع كل سياسة أو برنامج عمل، والنظر في مدى التزام مؤسسات التنفيذ بخطط الحركة ومدى توفير مستلزماتها المادية واللوجستية، والتساؤل عمّا إذا كان الانتقال من خطة إلى أخرى يتم بعد استيفاء شروط الأولى واستكمال تحقيق أهدافها؟ وأخيرا تقييم حجم النجاح في تحقيق الأهداف المرسومة في كل مرحلة... مع الأخذ بعين الاعتبار مختلِف الظروف الداخلية والسياقات الموضوعية التي لازمت مراحل عمل الحركة.

وليس هذا التقييم تحقيقا ولا محاسبة بالمعنى التنظيمي للكلمة. وإنما هو مراجعة لتطوير المشروع الحضاري والوطني للحركة. إنّ تحديد تلك المسؤوليات لا ينبغي أن يؤثّر على المناخ الداخلي للحركة أو يعطّل عملها. إنّ لمسار التقييم وظيفة إصلاحية أعم من المحاسبة التي لها أطرها الخاصّة.

أما فيما يخص طريقة البحث ومنهج التقييم، فقد حرصنا على الاستفادة من كلّ ما أمكن الحصول عليه من وثائق متنوعة، تنظيمية وأكاديمية وإعلامية، وشهادات شخصية من أبناء الحركة ومن خارجها، واستأنسنا بما سبق إنجازه داخل الحركة من محاولات في التقييم، أبرزها تقييم سنة 1995 المنجَز في المهجر، وتقييم سنة 2008 المنجَز في الداخل. وقد ركّزنا على المحطات الكبرى والقضايا الأساسية، بعيدا عن الإغراق في التفاصيل والأحكام المطلقة، لننتهي إلى أهم الاستنتاجات.

هوية الحركة ومسار تشكّلها

عوامل النشأة

في أواخر ستينات القرن العشرين، تضافرت جملة من العوامل والأسباب لتنتج بواكيرَ حركة دعوية مسجدية تَوافق أفرادها القلائل على العمل من أجل إعادة الاعتبار لمبادئ الدين وقيمه ومؤسساته التعبدية والتعليمية بعد أن نالها كثير من التهميش والإهمال. وفي هذا السياق لا يمكن الحديث عن نشأة الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس، موضوعيا، من غير البحث في علاقتها بسياق التداعيات التاريخية غير المباشرة لمحاولات التجديد والإصلاح التي عرفتها البلاد أواخر القرن التاسع عشر الميلادي على أيدي علماء وروادِ فكرٍ وقادةٍ سياسيين، من أمثال الشيخ سالم بوحاجب، والوزير خير الدين باشا، والمؤرخ أحمد بن أبي الضياف، والمجدّد محمد بيرم الخامس، والشيخين محمد السنوسي وصالح الشريف، ثم الشيخ المناضل عبد العزيز الثعالبي، وغيرهم..

لا شك أن حضور أدبيات حركة الإصلاح كان ضعيفا جدّا في خطاب الجيل المؤسس للحركة الإسلامية، وأثرها غير ظاهر في أدبياتها وفي المضامين التربوية التي اعتمدتها في بداياتها والتي كانت مأخوذة أو مستلهَمة في الغالب، من أدبيات مشرقية. ويعود سبب ضعف العلاقة بمدرسة الإصلاح في تونس إلى الانقطاع الذي حصل لهذه الأخيرة بموجب السياسة المتبعة من قِبل بورقيبة تجاهها وما تعرّضت له من تهميش، إذ عُدّت رمزا لثقافة التخلّف والتراجع الحضاري من قِبل النخبة التي تحكّمت في تلك المرحلة مولّية وجهها الثقافي قبل النموذج الغربي بالكامل.

لكن يجدر التنبيه، في المقابل، إلى أن كثيرا من مثقفي الحركة كانوا منذ البداية يحملون هموم الإصلاحيين الأوائل ويردّدون تساؤلاتهم الأساسية. لذا، فإن هناك ما يُسوغ اعتبارَ تجربة الإسلاميين التونسيين، في أساسها، مندرجة في سلسلة المحاولات التي اجتهدت للإجابة عن السؤال المركزي الذي طرحته حركة الإصلاح الأولى على نفسها، وهو : كيف ننهض؟ مع ما يقتضيه ذلك من مواءمة ضرورية بين قيم الدين الأصيلة وقيم التمدن الحديثة. وإذن فقد مثل ظهور الحركة الإسلامية بتونس في أوائل سبعينات القرن العشرين استجابة لحاجة حضارية ومجتمعية وسياسية حقيقيّة، نتيجة لتراكم عوامل الانحطاط والتخلف التاريخية.

العلاقة بالمشروع البورقيبي

قدّم المشروع البورقيبي نفسه بعد الاستقلال على أنّه يمثل أفضل صيغة للإجابة عن سؤال النهضة سالف الذكر. لكنّ صاحبه بالغ في الاعتماد على سلطة الدولة، وقصُر في المقابل عن تنمية آليات المجتمع والثقافة الوطنية الأصيلة لتحقيق مشروعه. فقد تبنى إطارا مرجعيا لمقاربة النهضة ينتمي بالأساس إلى فضاء ثقافي غربي. وعمل على فرض قيمه وأحكامه بطريقة فوقية قاهرة، أفضت إلى نمط خطير من الاستبداد الفردي.

لقد قصُر بورقيبة عن بناء أساس نظري متين لمشروعه يؤلّف بين قيم الدين وقيم المعاصرة. ولم يسع عمليا إلى تطوير الثقافة الوطنية وتأهيل مؤسساتها، وفي مقدمتها الجامعة الزيتونية التي لم تتح لها دولة الاستقلال فرصة الاستمرار كجامعة ولم تفتح أمامها آفاق تطوير مناهجها وتجديد منتَجها المعرفي.

لذلك لم يلبث المشروع البورقيبي أن اصطدم بنتائج أخطائه. إذ لم يَنقضِ العقد الأول من عهد الاستقلال حتى تتالت التحركات الاحتجاجية والانتفاضات منذ مطلع الستينات، بمحاولة التمرد المسلح التي قادها أنصار الزعيم صالح بن يوسف، والاحتجاج الشعبي الذي شهدته مدينة القيروان بقيادة الشيخ عبد الرحمان خليف.

ثم تتالت المطالبات بمراجعة المنوال التنموي الذي وقع اعتماده في "تجربة التعاضد" (وقد تم التراجع عنها، ومحاكمة أبرز قادتها سنة 1969)، ثم إبان التجربة الرأسمالية (التي انطلقت منذ أوائل السبعينات، وتخللتها انتفاضة 26جانفي1978 النقابية). وتصاعدت تحركات الطلبة والنخب السياسية في تلك المرحلة للمطالبة بالحق في العمل النقابي الحر، وفي تكوين الجمعيات والأحزاب، وإطلاق الحريات وإرساء الديمقراطية.

وقد كان لطلبة الاتجاه الاسلاميّ من ناحية وللمجموعة التي عرفت بالإسلاميين التقدّميين من ناحية ثانية دورٌ مهمٌّ في الدفع إلى بعض المراجعات الفكرية وفي تعميق الوعي بعدد من القضايا، مثل العلاقة بين العقل والنقل ودور الواقع في فهم النصوص وأهمّية البعد الاجتماعي في التغيير ...

وتتمثلُ أهمّ فائدة غنمها الإسلاميون من كل تلك العوامل المتنوّعة، في أنهم بدؤوا يدركون أهمية العديد من المسائل الاجتماعية والسياسية والفكرية التي لم تكن في مركز اهتمامهم أثناء مرحلة التأسيس. وكان من نتائج هذا الوعي اللاحق، أن انتموا إلى تيار المعارضة السياسية المطالبة بالحريات والديمقراطية، وانخرطوا في تنظيمات المجتمع المدني، وشاركوا منذ السبعينات في العمل النقابي.

مسيرة النضال ضد الاستبداد

محاكمة1981

كانت غاية النظام البورقيبي من محاكمة 1981 قطع الطريق على الحركة حتى لا تستثمر حدث الإعلان سياسيًّا لصالح قضيتها الوجودية، وحتّى لا تستغلّه بقية الأطراف السياسية الأخرى التي تطالب بالتعددية الحزبية. لكنّ المحنة التي تعرض لها مؤسسو الحركة كانت مناسبة لتحقيق كسب من نوع آخر. فقد أتاحت تجربة السجن للقيادات فرصة لتعميق النظر الفكري والاطلاع المتأنّي على مصادر علمية متنوعة. وازدادوا انفتاحا على مدرسة الإصلاح في تونس وخارجها.

إن تضافر هذه العوامل مجتمعة جعل الحركة الإسلامية في تونس متميزة عن نظيراتها بصفتين متلازمتين هما :

أولا : المرونة الفكرية باتجاه مزيد من التأصل في البيئة الوطنية، والانفتاح على قيم الحداثة والديمقراطية، والدفاع عن قضايا المجتمع العادلة، والتوافق داخل الوطن الواحد حول ما هو مشترك.

ثانيا :النضال ضدّ الاستبداد السياسي بما يكفل للجميع حرياتهم وحقوقهم في الوجود القانوني وفي المشاركة من أجل التداول السلمي على السلطة. وقد كلّفها هذا النضال الذي انطلق منذ الحقبة البورقيبية، عدة مضايقات ومحاكمات استمرّت وقائعها على مدى المراحل التالية :

مرحلة البناء والانتشار (1984-1986)

هي المرحلة التي تلت الإفراج عن قيادة الحركة التاريخية نتيجة حصول تغيرات داخلية كان أهمها انتفاضة الخبز (في جانفي1984) وما تبعها من انعكاسات سياسية أهمها تحول شعار الحرية إلى عنوان مرحلة، وتعميق أزمة السلطة باشتداد معركة الخلافة، وانسداد الأفق أمام الانفتاح الذي بدأته السلطة باحتشام منذ سنة 1981، مما جعلها تبحث عن إمكانية الانفراج، فلم تجد بدًّا من إطلاق سراح مساجين الحركة سنة 1984.

في هذه الفترة، اتجه أبناء الحركة إلى القيادة التاريخية المفرج عنها ممثلة أساسا في الشيخ راشد الغنوشي. وأمام هذه الوضعية، اضطرت القيادة المباشرة ممثلة بالأخ حمادي الجبالي إلى التعبير عن عدم استعدادها للاستمرار في ممارسة مهامها حتى تحسم مسألة الشرعية. علما بأنّ كِلتا القيادتين التاريخية والمباشرة كانتا آنذاك مثقلتين بخلافات السجن بالنسبة إلى الأولى وخلافات المهجر بالنسبة إلى الثانية.

هذا ما أدى إلى تنظيم مؤتمر 1984 الانتخابي لتجاوز ازدواجية الإشراف. أفضى هذا المؤتمر إلى الإبقاء على التوازنات السابقة ذاتها، بإعادة انتخاب القيادة التاريخية، دون الأخذ بعين الاعتبار كثيرا خلافات مرحلة السجن من جهة، ووجود القيادة الانتقالية الشابة التي عكفت على مشروع الأولويات منذ 1982 من جهة أخرى. وقد كان ذلك المشروع محاولة تأسيس نظري وإعادة بناء، تلبيةً لكثير من المطالب القيادية والقاعدية.

يمكن اعتبار هذه المرحلة من أهم المراحل التي مرت بها الحركة في علاقتها بالواقع الاجتماعي والسياسي. فقد تجاوز انتشارُها الشعبي وحضورها في الواقع التقديراتِ. وعبّرت بشكل واضح عن انحيازها إلى القيادة الشرعية للاتحاد العام التونسي للشغل. كما ساهمت في توحيد مواقف المعارضة إزاء أهم الأحداث الوطنية والإقليمية التي جدّت في منتصف الثمانينات (ومنها الانتخابات التشريعية، الغارة الصهيونية على حمام الشط، أزمة اتحاد الشغل، الاعتداء على ليبيا...). وشهدت الجامعة تأسيس الاتحاد العام التونسي للطلبة. وصار للحركة حضور متزايد في المشهد الإعلامي والثقافي. وكان كل ذلك مؤشرا على تعاظم أدوارها وبداية امتلاكها لأدوات التنظيم الجماهيري الفاعل.

لقد كانت أولوية الحركة الاستراتيجية في هذه المرحلة، وفق ما نص عليه مشروع الأولويات، هي "النضال من أجل التمكين للعمل الدعوي والثقافي والاجتماعي.." لكنّ حادثة انكشاف أرشيف الحركة المركزي بالزهروني سنة 1986، التي فاقت خطورتُها انكشافَ 5 ديسمبر 1980، قد سرّعت بالعودة إلى أجواء المواجهة.

كان لهذه الحادثة وقع سلبي وآثار وخيمة على الحركة في مرحلة كانت تتهيأ فيها لتركيز عملها وتحديد توجهاتها الاستراتيجية. ورغم ما بقي عالقا من نقاط استفهام حول الحادثة في ذاتها، فإنها كشفت إلى أي حد لم تأخذ القيادة الأمر على إثرها بالجدية المطلوبة، ولم تكن صارمة في تحديد المسؤوليات عما حدث. صحيح أن مجلس الشورى حمّل المسؤولية لرئيس الحركة، لكن ذلك الإجراء لم يكن بحجم ما انجر لاحقا من نتائج أثرت سلبا على مستقبل الحركة ومصيرها.

المفارقة التي تجدر الإشارة إليها هنا تتمثل في أن ما ظهر بعد الانكشاف مباشرة من مؤشرات على سعي السلطة إلى مزيد التضييق على الحركة ومحاصرتها لم يؤثر على أجواء مؤتمر ديسمبر 1986 الذي كان من أهم المؤتمرات في تاريخ الحركة نظرا إلى كونه المؤتمر العادي الوحيد بعد المؤتمر التأسيسي الذي عُقد في موعده تقريبا، ونظرا إلى طبيعة المضامين الاستراتيجية التي ناقشها وصادق عليها (وهي الاستراتيجية المؤقتة، الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي، ومعالم سياستنا التنظيمية...).

الأسئلة التي تطرح نفسها في هذا السياق هي : إلى أي حد ساهمت ضغوطات الواقع والأوضاع النفسية في تلك المرحلة (وقد كانت موسومة بالتوجس والخوف) في تكييف نتائج ذلك المؤتمر والخيارات المرحلية والاستراتيجية للحركة لا سيما وقد مالت تلك الخيارات في عمومها إلى اجتناب المواجهة واعتبار أن مهمة العمل الدعوي والثقافي والاجتماعي مقدمة على ما سواها ؟ وإلى أي مدى كان ذلك الميل مستجيبا لمتطلبات المرحلة الحقيقية التي سرعان ما اكتشفتها الحركة عندما فُرضت عليها المواجهة في 1987؟

في المجال التنظيمي، وبناء على قرارات مؤتمر 1984، قامت القيادة بإعداد خطة مرحلية كان في مقدمة أولوياتها مهمة "البناء الداخلي" التي مثلت شعار المرحلة. وكترجمة لذلك، بادرت إلى إدخال جملة من الإصلاحات على المستوى الهيكلي. لكن هذه التجربة لم تكتمل وتوقفت باندلاع المواجهة مع السلطة سنة1987.

مواجهة1987

ولّد توسّع الحركة وانتشارها سياسيا واجتماعيا وشبابيا في مرحلة ما بعد إفراج سنة 1984 لدى السلطة مخاوف أكدها انكشاف الأرشيف الذي أعطى صورة عن توجه التنظيم إلى التوسع وإحكام التخطيط والتأطير. كما أن إقدام الحركة في مؤتمر 1986 على تحديد الهوية الاجتماعية الثقافية الدعوية لمشروعها، مع ما أولته للمسجد من وظيفة في تحقيق هذا المشروع، قد رفع من منسوب مخاوف السلطة وأشر على أن صدامها مع الحركة بات وشيكا.

في ظل اشتداد الأزمة الاقتصادية واعتماد السلطة برنامجَ الإصلاح الهيكلي، كان للعامل الخارجي دور المحرك للمعادلة الداخلية. وذلك من خلال ضغوط متعددة باستهداف الحلقات القوية في المجتمع واحدة بعد أخرى، بدءا باتحاد الشغل، ثم الحركة الطلابية، وانتهاء بالحركة الإسلامية.

انطلقت المواجهة بين السلطة والحركة بتأثير من تلك العوامل مجتمعة في ربيع 1987. وقد توخت فيها الحركة برنامج تحرك، حاولت فيه توظيف رصيدها السياسي والإعلامي. وفي ظل استمرار عملية الاستهداف واشتدادها بتوسيع حجم الاعتقالات والشروع في تنظيم المحاكمات، رأت الحركة نفسها معنية بدفع هجمة السلطة عنها بكل وسائل الاحتجاج المدنية من تظاهر واعتصامات وكتابة على الجدران.

وقد ساهم إخفاق السلطة في اعتقال القيادات الفعلية للتنظيم المركزي في الرفع من معنويات أبناء الحركة وأنصارها، رغم أن حجم الاستنزاف قد وصل في خريف 87 إلى حدود 10 شهداء تحت التعذيب، وحوالي 6000 معتقلا، علاوة على الإحاطة بأغلب القيادات، وعدم تمكن مجلس شورى من الانعقاد أكثر من مرتين أثناء المواجهة.

ورغم ذلك، لم يحن موعد انعقاد محكمة أمن الدولة في سبتمبر 1987 حتى كان الرأي العام الإسلامي والوطني معبأ لمناصرة الحركة لاسيما وقد كان الصراع من أجل خلافة بورقيبة آنذاك على أشده. ما رسّخ في أذهان الناس صورة سيئة عن واقع السلطة المهترئ. كل تلك الظروف جعلت المحاكمة تجري لصالح الحركة من الناحيتين السياسية والإعلامية.

مرحلة التهدئة (من 07/11/1987 إلى 02/04/1989).

وضع انقلاب 07/11/1987 الحركة في تنازع سياسي مع السلطة حول المشروعية السياسية والمشروعية الدينية بشكل خاص. وقد عتّمت على ذلك التنازع في البداية مرحلة من التفاوض الذي خاضته السلطة بغاية ربح الوقت والتهيء لخنق الخصم لاحقا باستعمال جملة من الوسائل من ضمنها الانفتاح على قوى اليسار الاستئصالي والتعاون معها في ذلك.

في المقابل لم تكن للحركة خطة واضحة ولا تقدير مسبق لحجم التنازلات التي يمكن تقديمها أو المكاسب التي ينبغي افتكاكها. وإضافة إلى الآثار التي خلّفتها المحنة، كانت الحركة واقعة تحت ضغط الابتزاز الذي مارسته السلطة حين ادّعت الكشف عن "مجموعة أمنية" تابعة لها. ضمن هذا السياق الضاغط تأتي الرسالة التي وجهتها قيادة الحركة إلى بن علي بتاريخ 12 ديسمبر 1987 والتي جاء فيها أنّ السلطة الجديدة "حدث تاريخي وقدر إلهي أنقذ تونس العزيزة وشعبها من فتنة أيقظها الرئيس السابق وأصر على إذكاء نارها"، كما رأت في بيان 7 نوفمبر 1987 "توجها ديمقراطيا مسؤولا".

وقد كان تصريح الشيخ راشد الذي أدلى به لجريدة الصباح في 17جويلية1988 عنصرا إضافيا شكل بمعية تلك المواقف الإطارَ العام الذي سيحكم العملية التفاوضية لاحقا سعيا وراء مصالحة مع السلطة لم تنفع في الوصول إليها إجراءاتُ ترضيةٍ من قبيل تغيير اسم الحركة. إذ لم يكن زمام المبادرة طوال تلك المرحلة بيد الحركة بل كان بأيدي خصومها الذين كانوا يعملون متكتلين داخل السلطة لتعميق الاستقطاب الإيديولوجي وإعداد العدة لخوض صراع الهوية وإقصاء الحركة وربما استئصالها. بالإضافة إلى ما كان يعاني منه وضع الحركة الداخلي من هنات أهمها: تواضع المجالات والقطاعات التي انفتح عليها التنظيم، حيث لم يستوعب النخب والطبقة المثقفة ورجال المال والأعمال، ... علاوة على ضعف المضامين التكوينية وتذبذبها. لكن أخطر هنة كانت تميز تلك المرحلة هي تلك التي تتعلق بالملف القيادي، وتخص تحديدا تفاقم مسألة الازدواجية بين السري والعلني في التنظيم، وبين القيادة الواقعية من جهة والقيادة الرسمية/القانونية من جهة أخرى. ولم يكن هذا شأنَ المؤسسات المركزية وحدها، بل كان شأنَ الجهات أيضا. وكان هذا الواقع من الأسباب التي دفعت الشيخ راشد الغنّوشي إلى مغادرة البلاد.

بعد أن استطاعت السلطة والنخبة الموالية لها اكتساح مواقع جديدة، جاءت انتخابات أفريل1989 لتمثل اختبارا لموازين القوى وامتحانا للسلطة والحركة على حد سواء. ولئن كشفت تلك الانتخابات ضعف جماهيرية السلطة، فإنها كانت بالمقابل انكشافا جديدا تعرضت له المقدّرات البشرية للحركة بعد أن فشلت قيادتها في تعديل ميل القواعد إلى مشاركة ضخمة في الانتخابات. إذ كانت المؤسسة الشورية قد اتجهت في الأصل إلى أن تكون المشاركة في تلك الانتخابات بحجم محدود، وحتى رمزي، بناء على أن الخطّة سارية المفعول في تلك المرحلة كانت خطّة "تهدئة"، ولكن ضغط المناطق، وكذا ضغط بعض العناصر الفاعلة في الجهاز التنفيذي المركزي جعل الحركة تنزلق إلى مشاركة استعراضية واسعة النطاق، ربما كانت هي العامل الذي عجّل باتخاذ السلطة قرار الحسم معها. ما أدى في المحصّلة النهائية إلى نسف الأسس التي قامت عليها سياسة "التهدئة"!...

لقد حصل هذا الانزلاق الخطير نتيجة خطأ في التقدير من الحركة لقواها الذاتية ولحجم اهتراء الحزب الحاكم الذي كان في المرحلة التي تلت مباشرة إزاحة بورقيبة شديد الحرص على تجديد ذاته. كما دفع إلى الانزلاق أيضا ضعفُ مؤسسة الشورى وعجزُها عن كبح اندفاع المناطق الراغبة في المشاركة، وعن إلزام العناصر القيادية المتحمسة بالانضباط لقرار المؤسسات حتى لا تجد الحركة نفسها أمام واقع غير منتظَر.. من الواضح أن تلك المشاركة لم تكن البتة مندرجة ضمن رؤية سياسية مسبقة، بل كانت مؤشر اضطراب في الرؤية. ما يؤكد هذا أن الحركة لم تفلح حتى في استثمار الحجم الذي ظهرت به في الانتخابات، أثناء مفاوضاتها اللاحقة مع السلطة. وقد كان هذا المنزلق في جملته غنما كبيرا للعقل الأمني الذي كان يقود البلاد آنذاك وظّفه لضرب الظاهرة الإسلامية بعد فراغه من تزوير نتائج الانتخابات لصالحه كليا.

مرحلة الضغط

أفضت نتائج الانتخابات إلى حملة شرسة ضد ظاهرة التدين، وغدا هذا الأمر خيارا استراتيجيا للسلطة مارسته بالخصوص في قطاعات الشباب واعتمدت فيه على مشاركة اليسار الاستئصالي الذي سخّر خبرته التاريخية لصياغة "خطة تجفيف المنابع".

كان من نتائج نشر تلك الخطة ببعض صحف المهجر أن دُفِعَتِ الحركة إلى مراجعة سياسة التهدئة. وجاء غلق الباب أمام الاعتراف بها قانونيا في خطابي بن علي بتاريخ 25جويلية ثم 07 نوفمبر 1989ليؤدي إلى موقف رئيس الحركة في 21 ديسمبر 1989 "بسحب الثقة من الحكم القائم"، ثم مقاطعة جلسات المجلس الأعلى للميثاق الوطني في جانفي1990، ومقاطعة الانتخابات البلدية في 10 جوان 1990، وصولا إلى رفع الحركة شعار "استجماع شروط الاستعصاء" تعزيزا للبناء الداخلي وسعيا إلى مواجهة عملية الاستنزاف.

إذا نظرنا إلى المراحل السابقة من زاوية تنظيمية، يمكن القول إن التنظيم ظل منذ 1986 يعتمد على نفس المنهجية والأدوات دون مراجعات تُذكر إلى حدود مواجهة سنة 1991.

مرحلة المواجهة (أوت 1990 – أكتوبر 1991).

رغم بعض الوساطات من قبل بعض الشخصيات، مضت السلطة في معركتها السياسية والإعلامية والأمنية والقضائية المفتوحة ضد الحركة. ولم يَحُل توجه الحركة إلى استجماع شروط الاستعصاء دون إقدام قوات الأمن على اعتقال عدد كبير من صفها القيادي ليلة 23 ديسمبر 1990. ما سرع بتبنيها خطة "فرض الحريات".

في خضم هذه المواجهة، ظهرت بوادر عزلة للسلطة أكدها تكتل بعض أطراف المعارضة الرافضة لنهجها الانفرادي، وجسدتها بالخصوص مقاطعة إطار الميثاق الوطني والانتخابات البلدية. لكن وقائع أزمة الخليج الأولى أنقذت السلطة من هذه العزلة. فقد جاءت تلك الأزمة والحركة تعيش حالة تمدد في محيطها ولم تمض أسابيع حتى تغيرت خارطة التحالفات لتجد الحركة نفسها معزولة تجاه السلطة والمعارضة والنخبة معا، بسبب ارتباكها إزاء الحدث واختلاف مواقف قادتها ورموزها منها. لكنها سرعان ما تداركت أمرها باتخاذ موقف رافض للاجتياح العسكري في 02 أوت 1990 وانخرط أبناؤها في المسيرات الشعبية المناهضة للعدوان الأطلسي.

في تلك المرحلة ظهر لدى الحركة عجز عن استبيان اتجاهات الرأي العام من الأزمة، واستمرت قيادتها في تنزيل الخطة في المناطق، ما ولّد ارتباكا وترددا وعدم قدرة على تكييف المعادلة الداخلية مع المعطى الخارجي، وأغرى السلطة بتصعيد معركة المساجد ورفْع وتيرة المحاكمات وصولا إلى أخطر مؤشّر وقتها هو اغتيال الشهيد طيب الخماسي في 07 ديسمبر 1990.

إنّ أخطر مظاهر ارتباك القيادة في المرحلة التي سبقت مواجهة 91 تمثل في الانتقال بين خمس خطط في ثلاث سنوات، أي بمعدّل خطة لكل ستة أشهر. وقد وقع أحيانا الانتقال من خطّة إلى نقيضها، من دون أن تستوفي الأولى حظّها من الإنجاز. ما من شأنه أن يوحي بأن الخطة الثانية تتدارك ما كان في التي قبلها من تسرّع أو عدم إحاطة بالوضع من جميع وجوهه. هذا ما يدفع إلى التساؤل : هل كانت الحركة في تلك المرحلة تملك بالفعل عقلا تخطيطيا كليا؟ الإجابة لا يمكن أن تكون إلا بالنفي، إذا علمنا أن أكثر قياداتها في تلك المرحلة كانت تفتقد إلى تجربة سابقة في مجال الإدارة أو الحكم، ولم يكن لها من التكوين التخصصي في مجال العلوم الاجتماعية والسياسية ما كان يخول لها تعقّل سنن التغيير و"قوانين الاجتماع البشري". ومن ثم تراكمت أخطاؤها.

فقيادة الحركة لم تستخلص الدرس المطلوب من تجربة المشاركة في انتخابات 1989 بذلك الحجم وبذلك الخطاب غير المنسجم، وبتلك التحالفات غير المدروسة، في وقت كانت السلطة توجه لها التحذيرات وحتى التهديدات المضمرة والصريحة؛. من ناحية أخرى ومع الانفراج الذي حصل إثر أزمة 1987 انزلقت الحركة من جديد في مسلسل الأخطاء في مطلع التسعينات، واتجهت إلى الاستعداد للمواجهة مستهينة بقوّة خصمها، وغير عابئة بضعف حضورها داخل النخبة ولا مقدّرة حقيقة الأوضاع الإقليمية والدولية. فهي لم توطّن النفس على الصبر والتحمل، ولم تجتهد في البحث عن حلول ولم تحسن التّأقلم مع المتاح مع ما كان فيه من ضيق، واعتمدت السياسة كآلية احتجاج ولم تعتمدها كآلية لحل المشكلات ولاستثمار الفرص، وتوسيع دائرة الأصدقاء وتحييد الخصوم. ولم تتعامل بحكمة مع أرصدتها، فلم تدّخر منها كثيرا مما يمكن ادّخاره (خاصة بالجامعة التي زُج بها في أتون المعركة بينما أكدت الخطة على ضرورة تحييدها). وأدت سياسة تحرير المبادرة أثناء المواجهة إلى حصول تجاوزات خطيرة كما ساهمت في تأليب أعداء الحركة عليها وفي دفع الأوضاع إلى مزيد من التفجر والانغلاق.

صحيح أنّ للمناخ المعادي الذي وجدت فيه الحركة، دورًا في حملة الاستئصال، غير أنّ للعوامل الذاتية ممثلة في آليات اتخاذ القرار وللخيارات التي دفعت إليها القيادة المباشرة في تلك المرحلة، نصيبًا من المسؤولية عمّا آلت إليه الأمور في محنة التسعينات.

ومهما كانت الأخطاء التي ارتكبتها الحركة في التعاطي مع سياسة القمع التي سلكتها السلطة ومع الإقرار بحجم مسؤوليتها في ما لحق بها، فإنّ قرار الاستئصال كان أقوى، قرار يغذّيه نفس سياسي معادٍ للحرية والديمقراطية وحقد إيديولوجي أعمى.

محنة السجن والتهجير (1991-2001).

لما استقر أمر المواجهة لفائدة السلطة، وأحكمت هذه قبضتها الأمنية على الأوضاع في الداخل، فحالت دون أي إمكانية لحضور الحركة إعلاميا أو سياسيا، ناهيك عن محاولة إعادة بناء تنظيمها، صار أمر قيادة الحركة إلى المهجر. وحَال واقعُ الجغرافيا والموانع الأمنية دون تمكن القيادة من التواصل الطبيعي مع الواقع الداخلي للحركة ومتابعة تفاصيله التي كانت على غاية من التفكك والإنهاك.

هذه المرحلة إذن يمكن الوقوف عندها في ضوء المحاكمات والحملات الأمنية والإعلامية للنظام التي استهدفت الحركة في وجودها، وكذلك في ضوء الجهود الحقوقية والإعلامية الكبيرة التي تم القيام بها وكذلك جهود البحث عن الأمن والاستقرار للمهجرين وترتيب الوضع القيادي في الخارج، حيث أدارت الحركة حوارا توّجته بتقييم شامل أسّس لمرحلة انتقالية. وقد ساهم ذلك في إفراز مؤسسّات شرعية وسياسات وتوجهات من خلال مؤتمرات دوريّة (في 1995 و2001 ثم في 2007). وتوزّعت أولويات هذه المرحلة بين : العمل السياسي والإعلامي، الاهتمام بملف المساجين والتواصل مع الداخل، والمجهود التربوي والثقافي بالمهجر، فقد أنجزت الحركة تقييمها سنة 1995 مسح عشريّة الثمانينات وبداية التسعينات. وقد كان من أهم نتائج ذلك العمل - الذي وقع نشر أهم أجزائه فيما بعد - قيام الحركة بمراجعات أفضت إلى التأكيد على المنهج المدني السّلمي في التغيير والمنهج الإصلاحي المتدرج من خلال العمل في إطار القوانين وفي مؤسسات المجتمع. كما ثبتت تبنيها للعلنية في الفكر والمنهج والمؤسسات ورفضها للازدواجية في مختلف صورها وتمسكها بمنهج المشاركة بالتعاون مع بقية الأطراف السياسية والبحث عن المشتركات الوطنية وتوسيع مجالها.

وفي تلك المرحلة عاشت الحركة داخل البلاد حملة شاملة وبشكل متواصل أمنيا وسياسيا وفكريا، استهدفت رموزها وتنظيمها والمتعاطفين معها. كما استهدفت مشروع الإحياء الاسلامي ومظاهر التديّن بشكل عام ولم تنج من شرها حتى المساجد وبرامج التربية الإسلامية ووسائل الثقافة والكتب والمجلات... لقد تحمّلت الحركة أوزار هذه المحنة وبلاءاتها، إذ تمكن النظام من القضاء على وجودها التنظيمي بالبلاد وسعى إلى إنهاء كل صلة يبن أبنائها والمجتمع وتيئيسهم من أية إمكانية لعودة المشروع الإسلامي اجتماعيا وسياسيا، غير أن استمرار نشاط الحركة في المهجر وثبات المساجين وعائلاتهم في الداخل وخاصة ما سجلته المرأة النهضوية من صمود وقدرة كبيرة على مواجهة التحديات، كل هذه العوامل أفشلت خطة السلطة في طيّ صفحة الحركة، لاسيما مع ما وفرته وسائل الاتصال الحديثة من فرص كبيرة للتواصل والإشعاع الخارجي.

و رغم شدة القبضة الأمنية على كل مؤسسات المجتمع والدولة طوال عشرية التسعينات وما بعدها، ورغم ما قام به نظام الحكم في الداخل والخارج من محاولات سياسية وإعلامية لتشويه صورة الحركة ونضالها، ورغم بشاعة ممارسات السلطة القمعية، داخل أسوار السجون وخارجها، بغاية الفت من عضد المساجين، وتثبيط عزائم أسرهم وذويهم، وتخويف مناصريهم، ومعاقبة من يمدهم بأدنى المساعدات المادية، فقد خاض مساجين الحركة عدة نضالات وإضرابات جوع من أجل التصدي لسياسات السلطة القمعية ولشتى صنوف الإهانة والتنكيل والحرمان التي كانوا يتعرضون لها في السجون التي توزعت في كل تراب البلاد.

إنّ البطولات التي خطّها أبناء الحركة وما أبدوه من صمود وثبات على طريق الحرية يعدّ ملحمة نادرة في تاريخ النّضال ضدّ الاستبداد في تونس، حيث لم يسبق لتنظيم سياسي في البلاد أن أبدى مثل تلك القدرة على المثابرة والتحمّل وفاء للمبدأ والتزاما بالقضيّة. رحلة من العذاب امتدّت من الإيقاف والتعذيب حتى الموت إلى السجن والمراقبة الإدارية والتهجير. لقد كانت خطّة السلطة تتمثّل أساسا في كسر إرادة الحركة ورغم عدم تكافؤ القوى وطول فترة المحنة فإنّ أبناء النهضة ظلّوا صامدين في مواجهة آلة القمع ولم ينحنوا. بل ظلّت ثلّة منهم تعمل في المجال الاجتماعي والحقوقي في ظلّ ظروف أمنية صعبة جدّا وبإمكانيات محدودة.

ويعتبر التلاميذ من أبناء النهضة من بين الفئات التي قدّمت تضحيات كبيرة خلال تلك المرحلة، حيث يعدّ انقطاعهم عن الدراسة بسبب السجن والملاحقة ضريبة مرتفعة جدّا قدّموها وجريمة كبرى ارتكبها النظام في حقّهم. إنّه حرمان عميق ومؤلم استحال على كثير منهم تداركه وتعويضه. وكثير منهم يستشعر اليوم هذا الحرمان ويتألّم بمرارة في صمت لا يقوى على كسره. ألم تضاعفه المقارنات التي تنعقد آليا في أذهانهم استحضارا لسنوات لا تعود ولإخوة لهم كانوا وإيّاهم، يوما خلا وولّى، على نفس المستوى من المكانه والتحصيل العلميين وأصبحوا اليوم متقدّمين عليهم بمسافات في المراتب العلمية والمواقع ومن المسؤولية الجماعية اليوم تقديم كل أشكال الدعم والمساندة المعنوية والمادية المتاحة للمتضررين الذين يعيشون مخلفات المحنة إلى حد الآن.

وإذا كان أبناء الحركة قد أبدوا قدرة على الصمود فإنّ إحدى أسبابه، ما وجدوه من سند قويّ من المرأة، سواء كانت أمّا أو أختا أو زوجة ... ففضلا عن مقاومتها لما تعرّضت له من صنوف التعذيب والتنكيل والسجن والإكراه على نزع الحجاب، لقد قامت المرأة النهضوية بدور تاريخي في معركة الوجود المادي والرمزي للحركة ومصدرا للثقة والأمل وكانت خلفا للرجل في رعاية الأسرة وتربية الأبناء. ولم يقتصر دورها على مواجهة مضايقات السلطة فحسب، بل قاومت بأشكال مختلفة ما ترتّب عن ذلك من إكراهات أمنية واجتماعية ثقيلة وضغوط عائلية أثقل. ففي واقع من الوحدة والحصار أدّت المرأة في الحركة دورا رياديّا يجب أن يدوّن للأجيال القادمة وينقل إلى عموم التونسيين.

أما على صعيد المجتمع الأهلي والتنظيمات المدنية، فقد كان لحجم المظلمة التي تعرضت لها الحركة وتضررت منها كل مكونات المجتمع من جهة، ولما أظهره أبناء الحركة من ثبات على النهج السلمي في المقاومة والصمود من جهة أخرى، دور أساسي في تحريك الضمائر الحرة في عدة مجالات إعلامية وحقوقية وغيرها، والدفع إلى القيام بمبادرات متنوعة لفضح واستنكار ممارسات السلطة الاستبدادية والقمعية، ولرفض سياسات الاستئصال الممنهج ضد حركة النهضة. بل كانت القضيّة على قدر كبير من الأهمّية وطنيّا ودوليّا ومن الحجم الذي لم يترك للنظام القائم مجالا لكي يمرّر سياساته بالتعتيم والمغالطة، وسيحفظ التاريخ في هذا السياق نضالات منابر وجمعيات في الداخل والخارج من مثل الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين ومنظمة العفو الدولية والمحاماة التونسية ومركز استقلال القضاء والمحاماة والمجلس الوطني للحريات، ومنظمة حرية وإنصاف ... فقد كان لها دور أساسي في إبراز عدالة قضية الحركة كجزء من معركة الحرية والديمقراطية في البلاد، والإسهام بالتالي في مراكمة أسباب ثورة الكرامة التي جاءت لاحقا.

ورغم شراسة التنكيل وطول السجن وكثرة الأضرار النفسية والصحية والعائلية، أمكن مع بداية خروج بعض الإخوة من السجن، تحقيق عودة تدريجية للحركة ومشروعها في الساحة. ورغم المتابعات والتضييق فقد حرص عدد من مناضلي الحركة في الداخل على استئناف العمل ولو بأشكال فردية وتلقائية والعمل على ترتيب الأوضاع لتأدية وظائف اجتماعية وحقوقية متحدّين آلة القمع.

وظل المهجر على امتداد تلك المرحلة التاريخية معتصما بالفكر الوسطي متفاعلا مع محيطه وكانت له جهود معتبرة في التعريف بالمظلمة المسلطة على الحركة والدفاع عن قضايا الحرية وحقوق الإنسان في تونس والتخفيف من معاناة الكثير من عوائل المساجين عبر التشجيع على تأسيس شبكة واسعة من الجمعيات الحقوقية والإغاثية في العديد من بلدان العالم.

عودة النشاط في الداخل (2001 ــ 2010)

مع انتهاء العشرية الأخيرة من القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة استأنفت الحركة نشاطها بفضل عدد قليل من الإخوة ممن قضّوا محكوميتهم، فأعادوا تنظيم الصفوف بما تسنّى من جهد وإمكانيات وفي وضع أمني وسياسي صعب جدّا. وهو أمر جدير بالتثمين، وقد كان نشاطهم النواة الأولى التي حفظت الحركة من الاندثار بعد تغييب قسري طويل بسبب المحنة. توّلت هذه المجموعة العمل الاجتماعي والإعلامي في حدود ما كانت تسمح به المرحلة وتحت الإكراهات والضغوط الخانقة التي فرضتها الحالة السياسية والأمنية آنذاك، وكان لها الفضل في إعادة بناء الجسم بعد الثورة، باعتبارها الإطار الأساسي التنظيمي الوحيد في الدّاخل لاستمرار الحركة، في مرحلة دقيقة وصعبة ظنّ فيها الكثير أنّ الانبعاث مجدّدا يكاد يكون مستحيلا.

وتطورت هذه المبادرات مع تكثف سراح الإخوة، إلى أعمال حقوقية منظمة وحضور إعلامي واتصالات سياسية مع قوى المعارضة تجسدت خاصة في تأسيس هيئة 18 أكتوبر. وبلغ الأمر أواخر العشرية المنصرمة إلى تأسيس هيئة شورية ومؤسسة تنفيذية داخل البلاد واعتماد خطة لاستنهاض جسم الحركة وإدارة حوار حول تقييم التجربة الماضية والبحث في الخيارات المستقبلية (تُوّجت هذه الجهود بإنجاز تقييم 2008). وتقديرا لهذا النمو والتطور الحاصل أقرت مؤسسات الحركة في الخارج نقل الملف السياسي إلى قيادة الداخل.

لقد كان أهم ما تحقق للحركة وللبلاد خلال مرحلة المحنة، المحافظة على كيان الجسم وصورته في مواجهة ما استهدفهما من مخطط إبادي مادي ومعنوي، فكان التزام الحركة بمنهج الصبر والمصابرة وبالعمل المدني والسلمي وتأصيل فكرها الديمقراطي الإسلامي وتواصلها مع قوى المعارضة وانفتاحها على العالم الخارجي من أهم العوامل التي ساهمت في عودة الحركة إلى ساحة الفعل بتلك السرعة وبروزها كأكبر تيار سياسي في البلاد بعد الثورة.

التجربة الطلابية

لم يلبث الطلبة الإسلاميون أن انتقلوا، منذ السبعينات، من العمل الدعوي الداخلي إلى العمل السياسي والنقابي. ففي ظل الحركية التي كانت تتميز بها الساحة الطلابية، لم يكن أمام هؤلاء إلا النزول إلى ميدان النضال العام وخوض معركة الوجود مع الأطراف السياسية الأخرى التي كانت في أغلبها يسارية، بالإضافة إلى العناصر الطلابية الدستورية الذين كانوا يعملون لفائدة السلطة التي سبق أن انقلبت على الشرعية النقابية في الجامعة منذ سنة1971.

كان هذا الانخراط في معترك العمل العام من الأسباب التي مكنت "الاتجاه الإسلامي في الحركة الطلابية" من الإسهام في تطوير الخطاب السياسي للحركة عامة، وفي طرح أسئلة لم تعهدها الساحة الإسلامية، تتعلق خاصة بالمسألة النسائية ومشاركة المرأة في الهياكل التنظيمية للحركة، وبإشكالية التغيير بين المنهجين الثوري والإصلاحي، وبقضايا أخرى فكرية تهم علاقة العقل بالنقل في سياق الجدل الداخلي الذي دار في السبعينات بمناسبة ظهور تيار اليسار الإسلامي.

كما كان لنجاح الثورة الإيرانية في 1979، ولفكرها الاجتماعي والسياسي القائم على مناهضة الاستكبار والانتصار للمستضعَفين، دور في تطوير الوعي السياسي لدى الطلبة الإسلاميين وفي تنمية مهاراتهم القيادية.

وقد شاءت الأقدار بعد اعتقالات سنة 1981 أن ساهمت القيادة الطلابية بفعالية في مهام تسيير الحركة الأم، بعد الشغور الناجم عن الاعتقالات وأحكام السجن التي سُلطت على عناصر القيادة المركزية، بما وفر استمرارية الحركة وتطوير عملها.

أما على مستوى استراتيجية العمل النقابي في الجامعة، فقد اختار طلبة الإتجاه الإسلامي الانخراط في تيار طلابي واسع للنضال من أجل تنظيم "مؤتمر تأسيسي" سعيا لإعادة الفاعلية للحركة الطلابية وتقرر ذلك بعد تنظيم استفتاء طلابي على مستوى كل الأجزاء الجامعية. وفي 18أفريل1985انعقد مؤتمر الحسم الذي أصبح مؤتمرا تأسيسيا لهيكل نقابي طلابي جديد هو "الاتحاد العام التونسي للطلبة" الذي وقع الاعتراف به قانونيا في ماي 1988 باعتباره منظمة مستقلة تجمع في صلبها اتجاهات فكرية وسياسية متنوعة وفعاليات طلابية غير منتمية حزبيا. وبذلك بدأ في الجامعة التونسية عهد جديد من التعددية النقابية.

لقد ساعدت هذه المنظمة الجديدة الحركة الطلابية على تكوين شبكة علاقات واسعة في الداخل والخارج، وكسب مزيد من الخبرة في إدارة العمل النقابي وتسخيره لخدمة مصالح عموم الطلبة وللنهوض بالتعليم الجامعي وبالبحث العلمي. وكان لتحركاته المساندة للحريات في البلاد وللعدالة الاجتماعية دور في إكسابه مزيدا من النضالية والإشعاع الوطني.

وهذا ما جعل "الاتحاد العام التونسي للطلبة" من أول المستهدَفين بشراسة دموية غير مسبوقة بمجرد اندلاع المواجهة بين الحركة والنظام في 1991. فكان قمعه ثم قرار حله في السنة ذاتها، محاولة من نظام المخلوع لاستئصال الحركة الطلابية في تونس.

ورغم ما لحق بالطلبة أبناء الحركة من ضرر بالغ جرّاء حملة الاستئصال التي أتت على جلّ القيادات الطلابية في محنة التسعينات، فإنّ الجامعة قد عرفت عودة ملفتة للطلبة الاسلاميين قبل الثورة. كانت تلك العودة مميّزة رغم أنّها صعبة بالنظر إلى الواقع الأمني والسياسي فضلا عن طول فترة الغياب عن ذلك الفضاء. وسجّل حضور الطلبة الإسلاميين، رغم المضايقات التي تعرّضوا لها من القوى السياسية المناهضة، نشاطا مهمّا فحققوا نجاحات في انتخابات المجالس العلمية. ومثلت تلك العودة نواة أولى للبناء عليها بعد الثورة، حيث وجدت الحركة كيانا قائما ساعد على إعادة النتظّم في هذا القطاع.

محطات أساسية في تجربة الحركة بالمهجر

المحطة الأولى: ندوة التسوية القيادية

تعتبر هذه المحطة عنوانا بعدما تأكد حصول انقطاع تنظيمي للحركة داخل البلاد وعدم إمكانية استئنافه عاجلا، فقد كان حجم الهجمة القمعية كاسحا ونابعا عن خطة استئصال كاملة لم يكن للجسم مواجهتها كما اعتاد سابقا.

وكانت المساعي عاجلة لتجميع ما تبقى من طاقات الحركة التي هاجرت وإنقاذها من التلاشي تحت استمرار الضربات القاصمة في الداخل والخروج المشتت إلى الخارج لهذا عقدت هذه الندوة وكان هدفها:

  • تسوية الوضع القيادي وتشكيل قيادة بديلة في الخارج.
  • التخطيط لتضميد الجراح النازفة في الداخل بتنظيم الدعم الاجتماعي والحقوقي والإعلامي.
  • تنظيم استقبال المهاجرين الجدد وتوجيههم.

وتم انتخاب رئيس للحركة ومجلس للشورى كُلفا أيضا بالقيام بالتقييم والإعداد لمؤتمر قادم. انشغلت القيادة المنبثقة عن الندوة بالعمل على المهام المذكورة أعلاه طيلة السنوات الثلاث اللاحقة لينعقد المؤتمر في ربيع سنة 1995.

المحطة الثانية: المؤتمر السادس ربيع 1995

انعقد المؤتمر بعد تحقق أقدار من الوضوح فيما آلت إليه أوضاع البلاد من تفرد الرئيس المخلوع بالأمر وسحقه لأي نفس متعاطف مع الحركة أو مدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان عموما كما توضحت أوضاع الحركة في الداخل والخارج في سياق كان عنوانه خوض معركة البقاء ومداواة آثار العدوان على جميع الصعُد: السياسية والإعلامية والاجتماعية والدفاع عن صورة الحركة السلمية والمدنية في سياق إقليمي دموي خطير نتيجة الأزمة في القطر الجزائري. وقد جاءت قرارات المؤتمر الرئيسية مترجمة لهذا التوجه في النقاط التالية:

  • العمل على العودة بالصحوة والحركة إلى البلاد.
  • تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة.
  • الدفاع عن الصورة السياسية المدنية السلمية للحركة.

تركز العمل على الحضور الإعلامي وخوض معركة الدفاع عن صورة الحركة سياسيا كما تمّ التركيز على خدمة ملف التغطية الاجتماعية كمهمة مركزية للجسم ومزيد تأمين أبناء الحركة في مهاجرهم واستقرارهم فيها. كما بدأت تظهر معالم الاهتزاز في النسق السياسي الذي بنته السلطة في وجه الحركة بانضمام بعض الأصوات إلى المعارضة.

المحطة الثالثة: مؤتمر 2001

بدأ قريبا من هذه المرحلة العد التنازلي للوضع السياسي الذي بنته السلطة وبدأت تظهر الانشقاقات فيه وذلك لما عمدت إليه السلطة المتغولة من تحجيم لحلفاء الماضي القريب وانخراط بن علي في مسار الرئاسة مدى الحياة من خلال تغيير الدستور وإعلان النية في التجديد لولايات قادمة. أكد المؤتمر على ما يلي:

  • رفض الحركة للتجديد وتغيير الدستور.
  • التأكيد مجددا على مطلب المصالحة الشاملة التي لا تستثني أحدا.

توافق المؤتمر مع تغيرات مهمة في الساحة الداخلية بدأت في إرباك صورة النظام كما توافق مع خروج عدد ممن انتهت فترة سجنهم من مناضلي الحركة وقياداتها وارتخاء تدريجي في القبضة الأمنية. إلا ان أحداث سبتمبر 2001 الدامية كادت ترجع المعادلة إلى المربع الأول، إذ وظف النظام الأحداث ليسوّق لسياساته القمعية وليغذي خطاب التخويف من الحركة.

كانت الفترة الممتدة من2001إلى2007تاريخ انعقاد المؤتمر الثامن مليئة بتطورات وأحداث لعل أهمها:

  • دخول السلطة على خط المناورة السياسية بهدف تقسيم الحركة تحت عنوان تسوية الأوضاع الفردية للأشخاص.
  • مبادرة الحركة من الداخل ومن الخارج إلى مراسلة السلطة وطلب الوساطات للوصول إلى المصالحة الوطنية.
  • بروز رأي داخل الحركة في المهجر يدعو إلى التسوية بين الحركة والنظام والدفع إليها من خلال التسويات الفردية والعودة إلى البلاد.
  • تشكل تدريجي لتكتل مناهض للسلطة من خلال مبادرة 18 أكتوبر.
  • خروج أغلب القيادات التاريخية للحركة وعودتها المتدرجة إلى العمل السياسي زيادة على المسك الاجتماعي ومساعدة المتضررين من أبناء الحركة.

المحطة الأخيرة: مؤتمر 2007

انطبعت قرارات المؤتمر بسياقات المرحلة المذكورة أعلاه فكان توجهه إلى إقرار:

  • مبدأ إعادة القيادة إلى الداخل وتخلي قيادة الخارج عن إدارة الملف السياسي لصالح القيادة المتشكلة حديثا في الداخل.
  • التأسيس للعمل المهجري من خلال الدعوة إلى عقد مؤتمر يخصَّصُ له.

وخيم على الجو العام معالم الحالة الانتقالية وتهيؤ البلاد لتغيرات مهّدت لها :

  • حالة التفلت الاجتماعي من قبضة السلطة وانتشار مظاهر التدين التي طالما حارب النظام عودتها.
  • التشكل التدريجي لحالة من المعارضة السياسية.

إلا ان الوضع الداخلي للمهجر انتهى إلى مزيد من الاستقطاب حول الخط السياسي ومسألة العودة الفردية للبلاد مما أربك الصف الداخلي ومؤسسات الحركة القيادية.

مع اندلاع فعاليات الثورة انبرى المهجر إلى الدعم اللامحدود ميدانيا وإعلاميا ممّا أعاد إلى الصف أقدارا من التلاحم ومن وضوح للرؤية في اتجاه اسقاط النظام.

الخلاصات التقييمية

أهم المكاسب التي تحققت

مهمة الإحياء الايماني وتجديد الفكر الإسلامي

ساهمت الحركة بحيويّة في إحياء قيم الإسلام والانتقال بها من موقع الهامشية إلى قلب الحياة الفردية والجماعية والأسرية وإبراز قدرتها على أن تكون إطارا لعملية الإصلاح والتحديث والتنمية ومقاومة مشاريع الإلحاق الثقافي والتبعية. وشاركت الحركة بعمق في مجهود تطوير الفكر الإسلامي وتجديده وبلورة أجوبة ومقاربات تجمع بين قيم الإسلام ومقاصده وما راكمته البشرية من مكاسب. كما تميّزت الحركة بانفتاحها على مختلف المدارس الفكرية المتنوعة المصادر والروافد عربيا وإسلاميا (المدرسة الإخوانية، فكر مالك بن نبي، حسن الترابي، علي شريعتي، محمد عمارة، الجابري، الفكر الماركسي والقومي ...) مما ساعدها على تنمية رصيد فكرها التجديدي.

ومع مرور الزمن والاحتكاك بالواقع المحلي، أخذ أبناء الحركة ينفتحون تدريجيا على مصادر الفكر الزيتوني وخصوصا على مدرسة الإصلاح في تونس، وذلك لغاية الحرص على مزيد التأصل في البيئة الوطنية.

لقد تميزت الحركة خلال هذه المسيرة الفكرية بمرونتها واجتهادها في تطوير الفكر الإسلامي وتجديده حتى يكون قادرا على استيعاب قيم المعاصرة ومعالجة مشاكل الواقع. كما شجعت الحركة على نشر الثقافة الملتزمة واحتضنت بعض التجارب الفنية القيّمة (موسيقى، مسرح...).

تجربة العمل المشترك والعلاقة بالمجتمع المدني

ساهمت الحركة بجهودها في دعم العمل السياسي المشترك بالبلاد ومثلت مع المنظمة النقابية والقطاع الطلابي - خاصة قبل 1990- ميزان قوى مهمًّا حدّ من تغوّل الدولة ومن هيمنتها على المجتمع وضاعف من الضغوط على مشاريع التبعية وحاصر التيارات الاستئصالية.

كما عمّقت الحركة وعيها بأهمية المجتمع المدني في التغيير وأهمية استقلاله وأدواره الاجتماعية والسياسية والحقوقية، فشجعت على تأسيس جمعيات في داخل البلاد وفي المهجر وانخرطت في أخرى. كما شجعت

المواهب والمبادرات الفردية، بما ساعد على بروز عدد من أبنائها وإشعاعهم في بعض المجالات الحيوية كالإعلام والعمل الحقوقي والبحث الأكاديمي والنشاط التربوي والاقتصادي.

البعد المدني السلمي

نجحت الحركة في ترسيخ صورتها خاصة على المستوى الدولي كحركة إسلامية مدنية سلمية في خياراتها ومواقفها أفشلت مساعي السلطة وحلفائها في إظهارها وتصنيفها كحركة تمارس العنف. كما نجحت في سياسة ضبط النفس وعدم الانزلاق إلى ردود أفعال عنيفة رغم وحشية الهجمة الأمنية وضراوتها عليها قيادة وقواعد، كما عبرت الحركة باستمرار عن رفضها لأساليب العنف الذي لجأت إليه بعض التنظيمات الإسلامية المتشددة وميّزت بينه وبين المقاومة المشروعة للمحتل والغاصب.

صمود أبناء الحركة وتمسكهم بوحدة الصف

خلال مسيرتها الطويلة، استطاعت الحركة وقياداتها المتعاقبة أن تبنيَ تنظيما ممتدا (هياكل ومؤسسات وقوانين وخلايا تكوينية ...) شمل كل الجهات والقطاعات، حقق التواصل بين الأجيال ومراكمة التجربة واستطاع بفضل الله تعالى أن يحافظ على وحدة الحركة رغم مناخات الاستبداد ورغم المطاردة التي عاشتها ومحاولات السلطة المتكررة لاستهدافها وإنهاء كل صلة يبن أبنائها والمجتمع. غير أن استمرار النشاط في المهجر وثبات المساجين وعائلاتهم في الداخل كانا من أهم العوامل التي أفشلت مخططات السلطة. ولقدكان لمناضلي الحركة في الداخل والخارج الدور البارز في استمرارية العمل وإعادة بناء التنظيم في البلاد تدريجيا.

السلبيات والأخطاء

خلل في الآداء القيادي بعد 87

نشأت بعد أحداث سنة 1987 وضعية من عدم التناسب بين جسم الحركة ورأسها حيث ظهر القصور لدى النخبة القيادية والمؤسسات. فقد اتسعت الحركة وزادت مناشطها وتعددّت هياكلها مركزيا وجهويا ولكن القيادات والمؤسسات لم تجار هذه النقلة من حيث تطوّر الوعي وحجم المؤسسات وطرق عملها. فتضاعف الاختلال بين حركة وطنية تواجه تحديات كبرى، وهي محل اهتمام في الداخل والخارج، وبين طاقم قيادي لم يتطور بما يتماشى ومتطلبات المرحلة الجديدة لا سيما من حيث الوعي بواقع ما بعد انقلاب 1987واستتباعاته. إن الخلل القيادي ظهر خاصة بعد 87 إذ أصبح للحركة مسؤولية وطنية، غير أن الطاقم القيادي وقتها لم يكن قادرا على تسيير حركة بمثل تلك المسؤولية. وقد زاد من صعوبات القيادة تشتت عناصرها في وقت كان يحتّم تجمّعهم وتشاورهم بشكل مستمر.

انتخابات 89 وخطأ الانزلاق في حجم المشاركة

عكست مشاركة الحركة في انتخابات 89 حجم شعبيتها وتجذرها في الواقع التونسي وأكدت في نفس الوقت رغبتها في ممارسة العمل السياسي في إطار القانون، إلا أن النخبة القيادية في تلك المرحلة افتقدت للعقل الاستراتيجي القادر على التوجيه والاستشراف، إذ حصل الانزياح عن قرار المشاركة الجزئية توسّعا وامتدادا، من دون أن تتكفل القيادة برعاية قراراها وحسن تنزيله، بل انجرّت تحت ضغط الجهات وراء توسيع المشاركة من دون تقدير للعواقب السياسية ولمدى ملاءمة ذلك لسياسة الترفّق التي كانت لا تزال سارية آنذاك.

على مستوى الحركة، المسؤولية في 1991 تتحملها القيادة أوّلا

لقد كانت نتائج انتخابات 1989 والحجم الكبير الذي ظهرت عليه الحركة في البلاد في تلك المرحلة والنزعة الاستبدادية للنظام القائم، من بين الأسباب التي ساهمت في التسريع بالمواجهة. وأما عن مسؤولية الحركة في تلك المواجهة فتتحملها بدرجة أساسية القيادة التنفيذية والشورية المباشرة في تلك الفترة. ذلك أن الأخطاء كانت في الخيارات والسياسات والوسائل وأخلاقيات العمل الجماعي. وكل ذلك من مسؤولية النخبة القيادية. لقد ساد الحركة وضع من التردّد ثم التجاهل والانزلاق غير الواعي بدفع من بعض القيادات وبتزكية من المؤسسات القائمة، أدى إلى الدخول في مواجهة جديدة. فضلا عن طبيعة خطة فرض الحريات التي لا تتلاءم مع طبيعة المرحلة التي كانت تمر بها البلاد، ولم تراع موازين القوى القائمة.

ضعف في تقدير الواقع والظروف الدولية وإمكانيات الحركة

تأكد في أكثر من خطة للحركة خطأ تقديرها لإمكانياتها الذاتية ولقوة السلطة القائمة وقدر من الغفلة عن دور القوى الدولية والإقليمية وتأثيرها في المعادلة التي تحكم الأوضاع الداخلية بالبلاد. وقد يحصل الخلط أحيانا بين معاني التوكل على الله تعالى والاستعانة به عز وجل وبين ضرورة فقه الواقع وحسن تقدير الموقف والأخذ بالأسباب بشكل كامل. ويدخل في هذه النقطة ضعف الوعي بالتحولات التي حصلت بالبلاد وعلى مستوى الحركة، وهي تحولات كانت تقتضي تحيين الخطط وتحديد أهداف ووسائل مناسبة. ولكن الحركة كانت تشكو نقصا مخلا في وظيفة التخطيط الاستراتيجي وفي إنتاج الأفكار المبدعة وتوليدها. وزاد في تعميقه غرق المؤسسات والقيادات في الأعمال اليومية وتصريف الشؤون الطارئة.

خطأ الظهور كحركة مؤهلة للحكم مع ضبابية البرامج

كانت الحركة الإسلامية منذ ثمانينات القرن الماضي تبدو في أعين أبنائها وأنصارها وكثيرٍ من قوى الداخل والخارج كحركة بديلة للسلطة القائمة ومؤهلة للحكم. ورغم أن الحركة لم يكن لديها وضوح كاف في أغلب قضايا الحكم والاقتصاد وفي السياسات الوطنية والدولية، ولم يكن لديها أكثر من المطالب العامة في هذا المجال أو ذاك، ورغم تطور حجمها ومسؤوليتها فان نموّها المضموني أي البرنامجي كان بطيئا. ولا شك أن افتقاد الحركة للبرامج التي تقدم الحلول العملية لمشاكل البلاد من شأنه أن يعيقها عن تحديد سياسات صائبة ويؤثر سلبيا على صورتها في الداخل والخارج ويزداد هذا التحدي حدة بقدر توغلها في العمل السياسي.

ثنائيات وتناقضات

وتتمثل في جملة من الثنائيات على مستوى التنظيم والقيادة والخطاب واستراتيجية التغيير إلخ... لقد اختارت الحركة خاصة بعد مؤتمر 1988 أن تحافظ على الازدواجية بين الرئيس المعلن الذي يملأ دورا خارجيا لا علاقة له بالحياة الداخلية للتنظيم في حين حافظت على قيادة قانونية رشحها التنظيم كان دورها الأساسي إداريا محكوما بالسرية منعها من مباشرة الملفات التي كانت تطرحها الساحة. وكان لقيادات أخرى وضع شبيه. إذ كان الرجل الثاني في الحركة في فترة ما غير مستوعَب من قبل المؤسسات التنظيمية. هذه الأوضاع وغيرها أربكت الأداء وأرهقت العلني والسري معا.

وعلى مستوى الخطاب، أضحت الازدواجية تهمة تلاحق الحركة باطراد نتيجة عوامل متعددة أبرزها غياب الالتزام بما تقرره المؤسسات والنزوع إلى التفاعل اليومي مع الواقع وعدم وجود مرجعية استراتيجية ورؤية فكرية شاملة تغطي أهم القضايا المطروحة على الساحة رغم الجهد المبذول في ورقة "الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي" والتي لم تتجاوز البعد التأصيلي للمرتكزات الشرعية والعقدية؛ بالإضافة إلى افتقار الحركة إلى نخبة من الخبراء والمتخصصين في المجالات المختلفة.

ولعل من أبرز التناقضات هي تلك التي تمثلت في استراتيجية التغيير (بين أولوية النشاط الثقافي الدعوي وأولوية العمل السياسي) والقفز من الخيار الأصلي إلى ما سمته "الاستراتيجية المؤقتة" بـــــــ"الاستثناء" ممّا حول الاستثناء إلى أصل. وذلك عن طريق حرق المراحل وانعدام التقدير الصحيح للمواقف والاستجابة للاستدراج من قبل الخصوم دون وعي بالمآلات.

ظاهرة العزوف عن منهج الاندماج في المجتمع

لقد كان للحركة خاصة في مرحلة النشأة نظرة فيها أقدار من التشدد تجاه المجتمع وقوانينه ومؤسساته على خلفية أنه ابتعد عن جوهر الحياة الإسلامية. إن هذه الخلفية أسهمت لفترة طويلة نسبيا في تغذية ظاهرة الانعزال والعزوف عن منهج الاندماج الطبيعي في المجتمع وتثمين أرصدته الإيجابية، والمرونة في التعاطي مع مختلف مكونات الواقع التونسي. ولئن تطورت هذه النظرة بمرور الزمن في اتجاه الانفتاح على الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي والوطني والدولي، فإن بعض آثار هذه الثقافة استمرت في طبع جزء من سلوكيات أبناء الحركة.

شمولية التنظيم

لقد أريد للتنظيم أن يكون في الوقت ذاته تربويا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا وعلنيا وسريا واحتجاجيا.. وهذا مخالف لسنن الأشياء. فارتهان المقدرات البشرية للصحوة في التنظيم وارتهان التنظيم للتقلبات السياسية والمواجهات الصدامية كان خطأ كبيرا.

وإنّ فهم العقل القيادي منذ مؤتمر 1986 لقضية وحدة الحركة لم يكن يواكب حاجة الحركة لتعدد أشكال أهداف الحركة وخططها ولصيغ تنزيلهافي الواقع. فقد كان رفض القيادة قاطعا لفكرة التخلص من التنظيم الشمولي والاستعاضة عنه بفكرة التنظيمات المتوازية المستقلة هيكليا والتي تعمل كلها ضمن رؤية استراتيجية واحدة. وتكون مهمة الحركة الأم هي ضمان سلامة التوجه الفكري للقائمين على هذه التنظيمات من خلال رموز وقيادات يتجاوز إشعاعها تنظيما معينا.

إن شمولية التنظيم أدت إلى ضمور القطاعات والفضاءات الحيوية التي تشكل القوة الفعلية لمشروع الحركة، وارتهانها للتوجيه والضبط من المركز ولتقلبات العمل السياسي، وحرمانها من المبادرة والانتشار في الواقع. وهذا ما تفطنا إليه اليوم من خلال أطروحة سبل إدارة المشروع.

آليات اتخاذ القرار

لقد جاء تحوير القانون الأساسي للحركة في مؤتمر 1986 ليعطي عضو مجلس الشورى مسؤولية النيابة عن كل أعضاء الحركة ويعزز بذلك مكانة المجلس وأعضائه في صنع القرار وفي تحمل مسؤولية قيادة الحركة. هذا على المستوى القانوني. أما من الناحية العملية، فلم يكن له دور في إدارة شؤون الحركة الفعلية نظرا إلى مبدأ الفصل بين السلطتين التنفيذية والشورية. علاوة على عدم قدرته على منع تجاوزات القيادة التنفيذية لقراراته وتوصياته، وبحكم إعطاء الأولوية للتنفيذي في انتداب الكفاءات، وفي تخصيص الموارد المادية اللازمة للعمل. هذا ما يحتم البحث عن صيغة لإقامة علاقة أكثر توازنا بين المؤسستين.

فعقلنا التنظيمي لم يتوصل إلى وضع تصور وإدارة واضحتين للعلاقة بين القيادة التنفيذية ومجلس الشورى. وذلك ما جعل القرار يتسم بشيء كبير من الارتباك والتردد بين مؤسسة صاحبة سلطة عليا، ولكنها فاقدة لزمام المبادرة. فهي بين إشكاليتين: إما التباطؤ بدعوى التريث والاستيعاب لترشيد القرار، وإما التسرع والبناء على تقديرات التنفيذي.

كما أن النزعة المفرطة نحو مركزة القرار وتوجيهه والتحكم فيه لم تفارق الحركة طيلة مسيرتها. إذ كان للقيادة التنفيذية دور ملحوظ في هذا الاتجاه، مما جعل المؤسسة الشورية في ملاحقة مستمرة للقرار وما يترتب عنه من استتباعات في أرض الواقع.

جهود متواضعة تجاه النخب

ظل منهج الإصلاح الذي اعتمدته الحركة يركز أكثر على الفئات الشعبية وعلى اعتماد خطاب يناسبها استقطابا وتعبئة والتوجه خاصة إلى الشباب التلمذي والطلابي ورواد المساجد. إلا أنها لم تسع في الآن نفسه للوصول إلى النخب (مثقفين، جامعيين، إعلاميين، نقابيين، رجال أعمال...) والتواصل معهم بخطاب ومضمون مناسبين. والحقيقة أن وعي الحركة لا يزال ضعيفا بأهمية النخب الماسكة بعملية التوجيه في البلاد وحجم تأثيرها في القرار داخل السلطة وبدورها الخطير في صناعة وتشكيل الرأي العام.

قصور في الوظيفة التنظيمية

لقد كان التنظيم القائم على الخلايا التربوية من أهم أدوات الحركة في التأطير والتوجيه وتحقيق الانتشار والتوسع، فقد نشأ مع مرحلة التأسيس لهدف تربية أفراده واحتضانهم بشكل مواز لحياتهم الاجتماعية، ثم تطور لمساعدة الفرد على الفعل خارجه وهو تطور نوعي على مستوى الرؤية التنظيمية يؤشر إلى الانتقال من تنظيم هدف في ذاته وحاضن لأفراده إلى تنظيم أداة لخدمة مشروعه في المجتمع. وكان ذلك نتيجة تقييمات ومراجعات، غير أن هذه السياسات التنظيمية لم تكن دائما قادرة على تحقيق أهدافها ووجد التنظيم صعوبات كبيرة حالت دون تأقلمه مع محيطه بالشكل المطلوب ولم ينمّ عن روح المبادرة والفعل على مستوى أفراده بل كرّس بعض مظاهر الانتظارية والاتكالية والسلبية.

ضعف التخطيط الاستراتيجي

منذ بدايات نشأة الحركة، كانت الحاجة قائمة إلى وجود نخبة من الخبراء مهمّتها البحث والاستشراف ووضع الخطط الاستراتيجية. وقد تأكدت هذه الحاجة عند وضع مشروع الأولويات. لكنّها لم تترجم إلى خطة أو مشروع للإشراف على طاقاتنا وكفاءاتنا في الجامعة وخارجها. بل لم تع الجامعة ولا المكتب الثقافي ومركب التعليم خطورة هذا القصور. وهو ما ساهم في محدودية إضافاتنا النظرية وقصور الرؤية الاستراتيجية لدى الحركة.

لقد كشفت تجربة الحركة طيلة المراحل السابقة عن ضعف كبير في التخطيط الاستراتيجي، إذ قصرت عن تكوين مراكز بحثية متخصّصة تنجز الدراسات وتضع الخطط. واستندت جلّ الخطط إلى تقديرات غير ملائمة للواقع. وغلب عليها ردّ الفعل ومجاراة الأحداث والمواقف والتعامل معها حالة بحالة في غياب واضح للتقدير الإستشرافي بعيد المدى.

من محنة الاستئصال إلى تجربة الحكم

رغم أنّ أسباب الاحتقان والتوتّر في البلاد ظلّت تتراكم طيلة سنوات الحكم السابق فإنّ الثورة جاءت حدثا مباغتا للجميع، بما فيها الحركة، التي لم تكن على أتم الاستعداد لحدث بهذا الحجم، وسيكون لعدم الجاهزية هذه الأثر البالغ على مواقفها وأدائها. يضاف إلى ذلك أنّ المسالك القانونية التي أريد للعملية السياسية، بعد هروب الرئيس السابق، أن تلجها والنتائج المترتبة عن تشكيل الحكومتين الأولى والثانية، كلّ ذلك وضع الثورة على دروب الاستيعاب والاحتواء وكبح منذ البداية الاندفاع الثوري.

وقد اختارت الحركة خلال ذلك أن تكون مشارِكة، لا أن تتصدّر المشهد أو أن تقوده. وذلك لسببين: أوّلهما، أنّها لا تريد أن يكون حضورها في المقدّمة بداية استنساخ لتجربة المحنة عزلة وانفرادا مع ما يرتبط بذلك من معان سلبية داخليّا وخارجيّا تعيد الشحن ضدّها. وثانيهما، أنّها ما زالت تنوء بأثقال المرحلة السابقة، فجسدها التنظيمي لا يسمح، كما أنّها لا تعلم يقينا مآل الحراك الثوري. وحاصل الأمر من ذلك أنّ التحوّط من المحاذير الأمنية والإحراجات السياسيّة كان حاضرا بقوّة. غير أنّ الحركة كانت مصمّمة على إسقاط النظام ورحيل الرّئيس. فقد كان الشيخ راشد أوّل من استعمل كلمة الرحيل وهو في الخارج. فضلا عن أن الحركة كانت خلال العشريتين الماضيتين فاعلا رئيسًا في تهرئة نظام الاستبداد وتعريته سياسيا وإعلاميا وحقوقيا.

العودة: تحديات البناء الداخلي والاستحقاق الوطني.

واجهت الحركة بعد فرار الرّئيس السّابق معادلة صعبة: استحقاق البناء وترتيب البيت الداخلي من ناحية وإعادة الانتشار والفعل السياسي من ناحية أخرى. إن التلازم بين هذين المطلبين شكّل تحدّيا كبيرا أرّق الحركة واستنزف قواها. ومع ذلك فقد أعادت بناء ذاتها ونظّمت صفوفها بسرعة. فكوّنت الهيئة التأسيسيّة وشكّلت المكاتب الجهويّة والمحلّية، واستطاعت الحركة أن تستجيب لما تتطلّبه الساحة من حضور ميداني وفعل سياسي. لكنّها حافظت، رغم الحماسة الطاغية حينها، على سياسة الترفق ولم تشأ أن تمرّ بقوّة ولا أن تغالب الواقع. ويردّ هذا التمشّي الحذر إلى عدّة عوامل من بينها عدم وضوح الرؤية السياسيّة وغياب التقدير الفوري لطبيعة ما حدث وما إذا كان ثورة جذرية تقتضي تغييرات عميقة يستتبعها تأسيس جديد لنظام الحكم ولمؤسسات المجتمع أم هي مجرّد انتفاضة أطاحت برأس الدولة فقط وليس النظام كلّه ولا يرجى من ورائها سوى بعض الإصلاحات التي يسمح بها الظرف ضمن أفق مصالحة وطنيّة. كما يعود أيضا إلى ما تستشعره الحركة من حساسية مفرطة تجاه وجودها، من القوى المؤثرة وطنيا ودوليا وهي قوى لم تشأ الحركة أن تصادمها.

وبقي هذا الانخراط الحذر يلازمها حتى بعد هروب المخلوع. وبقدر ما كانت تقدّر أنها لم تستوف بعد الشروط المطلوبة لأخذ زمام الأمر فإنّها كانت تدرك أيضا غياب قوة أخرى غيرها قادرة على ذلك. لقد كانت الحركة في تلك المرحلة "أقوى الضعفاء".

ورغم سرعة الاستجابة فإنّ المتمعّن بعمق في الوضع التنظيمي للحركة يقف على الكثير من الهنات والإخلالات، إذ أنّها لم تنجح في استعادة كامل جسمها. وقد ألقت الاعتبارات الشخصيّة والعلاقات التي انعقدت في الخارج كما في الداخل ومفعول السجن وما تخلّل كلّ تلك السنوات من أحداث وروابط واتصالات وتقييمات ومواقف...، كلّ ذلك ألقى بظلاله على اتّخاذ القرارات المتعلّقة بالشأنين التنظيمي والسياسي.

انتخابات 23 أكتوبر2011

قررت الهيئة التأسيسية الدخول إلى الانتخابات بقوة على قاعدة " ندفع بالأفضل من أجل إنجاح التجربة ". ورغم أنّ مؤسّسات الحركة وضعت شرطين أساسيين للترشّح : الكفاءة والإشعاع، فإنّه لم يتمّ الالتزام بهما على النّحو المطلوب. بل أدت العلاقات الشخصية والاعتبارات التنظيمية دورا في ترجيح أسماء دون أخرى.

كان أغلب الأعضاء المترشحين من المنتمين تنظيميّا إلى الحركة وترأّست القيادات التنظيميّة القائمات. الشيء الذي يعطي الانطباع بأنّنا دخلنا الانتخابات بعقليّة التنظيم وليس بعقليّة الدّولة. وقد كان لهذه العقليّة انعكاس سلبيّ على الأداء الحكومي وعلى أداء الكتلة.

وأمّا فيما يخصّ البرنامج الذي تقدمت به الحركة إلى الشعب، فهناك تقدير بأن الخطأ الذي ارتكبته قيادة الحركة في هذا الصدد، يتمثّل في أنها وضعت برنامجا انتخابيا لمدّة نيابيّة بخمس سنوات والحال أنها تستقبل مرحلة تأسيسيّة ستلتزم فيما بعد التزاما أدبيا وسياسيّا أن لا تتجاوز مدّتها العام الواحد.

لم تكن هناك سمات موحّدة لمضمون الخطاب الانتخابي بل اختلطت فيه عناصر مختلفة. ولم تفلح خطّة توحيد الخطاب، رغم المجهود الذي بذلته الحركة، في هذا المجال. كما أسرفت بعض الخطابات في الوعود مجاراة لنسق الآمال المرتفعة التي عادة ما تصاحب الثورات. وذلك أمر يدل على أنّ خطابنا لم يستحضر إكراهات الواقع ولم يستشرف ما ينتظرنا من صعوبات.

إن الأثر السلبي لذلك الاندفاع الانتخابي لن يظهر إلاّ فيما بعد، أي عندما ستصطدم تجربتنا بواقع الدولة وبالمطلبيّة المشطّة التي كانت تجتاح المواطنين وبالفساد والتعطيل الإداري الذي ترسّب طيلة عقود، وبالإمكانيات المحدودة لدولة أنهكها الفساد والاستبداد وأتت النتائج المترتبة عن الثورة على ما تبقى من قدراتها.

تجربة الحكم

السياقات والإكراهات

إن استحضار تلك السياقات هو تنزيل للفعل ضمن شروطه الخانقة أحيانا والمساعدة أحيانا أخرى.ذلك أنّ استعادة تلك العوامل من شأنها أن تكمّل الصورة وتساعد على الفهم وتصوّب بعض الأحكام، ومن شأنها أيضا أن تكشف الثغرات، لأنّ الأمر لم يكن دائما ضاغطا بل كان أحيانا مساعدا ودافعا. ومن ثمّ فإنّ الحكم التقييمي سيتجه في هذا الاتجاه أو ذاك بحسب ما ترجحه تلك العوامل بطبيعتها.

السياقات والإكراهات صنفان: داخلية، وتهمّ واقع الحركة والبلاد.وخارجية،وتشمل الواقع الإقليمي والدولي.

السياقات الداخلية
واقع الحركة الذاتي: عوامل القوة ومواطن الضعف.

كانت المحنة التي عاشتها الحركة منهكة وقد خلّفت في الجسم آثارا عميقة. ومع ذلك استنهضت الحركة قواها خلال تجربة الحكم وأبدى أبناؤها استعدادا جيّدا في الدفاع عن الدولة والثورة. وقد ترجم ذلك في كلّ المناسبات التي مرّت بها الحكومة أو الحركة بوضع صعب. لقد مثلت استجابة التنظيم عنصرا حاسما لضبط واقع البلاد والحراك السياسي جهويا ومركزيّا ومثل التفاف النّاس عامل قوّة إضافيًّا للحركة بالنّظر إلى أنّها بدت المدافع الأكبر عن الثورة خاصّة أنّ تهديدات التراجع والانتكاس تكثّفت من كلّ الجهات وأوشكت التجربة على السقوط.

غير أنّ ذلك لا يخفي مواطن الضعف. وأهمّها غياب المبادرة والتردّد في اتخاذ القرارات والتراجع المتواصل على المستوى السياسي قياسا على النّجاح الميداني. فقد ظلّت الحركة تتقبّل الضربات ولم تنتقل إلى المبادرة التي هي أصل العمل السياسي. بقيت الحركة والحكومة تجاريان النسق اليومي ومستجدّاته، الشيء الذي استنزف الجهد والوقت وفاقم الأزمات. وفي الأوقات التي كان فيها الشارع مجنّدا ومحتشدا في صف الحركة والشرعيّة لم نكن نحصد من دعمه ما يساوي حجمه. وكنّا نكتفي باستثماره كوسيلة للردع وضبط الأوضاع أمّا التقدّم ودفع أعداء الثورة إلى التقهقر فلم يكن بالقدر المساوي لقوّته.

واقع البلاد : المزاج الشعبي، الوضع الاقتصادي، الوضع الأمني، موازين القوى...

واقع البلاد : المزاج الشعبي، الوضع الاقتصادي، الوضع الأمني، موازين القوى...

  • اجتماعيّا : اتّسم الواقع بالانتصار للثورة والحماس الكبير للتغيير. مع اعتصامات وقطع للطرق وتمرّد على القانون ومطلبية عالية وانتظارات تفوق القدرة والإمكانيات.
  • اقتصاديّا : كان الوضع منهارا (هروب العديد من المستثمرين ـ تعطّل على مستوى الإنتاج ـ إغلاق مصانع. إضرابات عديدة، إدارة تفتقد إلى الضبط... )
  • أمنيّا : ضعف المنظومة الأمنيّة، وتفككها وافتقادها الواضح للإمكانيات المادية والبشرية واللوجستية، وانفلات الشارع.
  • موازين القوى : الشارع الثوري إلى جانب قوى وأحزاب سياسية مبدئية لكن بعضها قليل العدد ومحدود الامتداد الجماهيري. ومقابل ذلك هناك أطراف أخرى، كامنة تنتظر الفرصة، بعضها معاد للنهضة تحديدا والبعض الآخر للثورة عموما، إنّه فريق متكون من بعض السياسيين والإعلاميين والنقابيين ورجال الأعمال...
السياقات الخارجية
المحيط العربي ( ليبيا، مصر، الجزائر...)

ترتبط الثورة في تونس بمجريات الأحداث في دول الجوار وخاصّة تلك التي شهدت أحداثا مماثلة متزامنة أو بعيدة نسبيّا. أمّا بالنسبة إلى الوضع الليبي فقد كان في البداية مساعدا بالنّظر إلى أنّ سقوط نظام القذافي خلّص الثورة التونسيّة من خطر كبير. لكنّ انفلات الأوضاع في ليبيا والغياب شبه التام للدّولة والتدخّل الخارجي في ما حدث ويحدث هناك وضعف الدّولة التونسية في بسط نفوذها الكامل على الحدود بسبب واقع الثورة، كلّ ذلك حوّل الواقع الليبي من امتداد استراتيجي إيجابي إلى مصدر للخطر خاصّة بعد الانقلاب الذي حدث في مصر. فانتكاس التجربة المصرية امتدّ مباشرة بتأثيره السلبي إلى ليبيا.

كان نجاح الثورة في مصر في البداية ووصول الإسلاميين إلى السّلطة أحد مصادر القوّة الرمزية والسياسيّة الدّاعمة للثورة في تونس. واستفادت تجربة الانتقال الديمقراطي في بلادنا من ذلك، غير أنّ الانقلاب وجّه ضربة معنوية وسياسيّة لقوى الثورة عندنا وغذّى رغبات الانقلاب في صفوف قوى الثورة المضادّة وأضعف الثقة في النّفس. وقد كانت تلك الظروف حينها مناخا مواتيا للإطاحة بالتجربة والانقلاب عليها. ظلّت الجزائر تراقب الوضع في تونس عن كثب وتستحضر تجربتها المريرة خلال عقد التسعينات ولكن موقفها عموما تحوّل من الحيطة والحذر إلى محاولة التفهّم والدفع نحو التوافق في بلادنا.

الموقف الدولي ( أوروبا، الولايات المتحدة الأمريكية)

لا شك أن الثورة التونسية باغتت الأطراف الدولية مثلما باغتت الأطراف المحلية والإقليمية، ولذلك غلب على المواقف الأوروبية والأمريكية الحذر في البداية، بتفاوت بين طرف وآخر في منسوب الحذر أو المساندة، ففرنسا مثلا ظلت تراهن على بن علي إلى آخر لحظة، ولكن تلك المواقف تعدّلت فيما بعد شيئا فشيئا، وباتت تؤيد الانتقال الديمقراطي، وتحاول مرافقته مع مراعاة مصالحها التقليدية في البلاد والمنطقة...

الاختيارات الكبرى

كان هناك سؤال صعب يؤرّق الحركة وهو : لو تأخّرت النّهضة فمن سيتقدّم ؟ وكانت الخيارات الممكنة حينها غير مطمئنة، إمّا النظام القديم أو قوى اليسار الاستئصالي مدعومة ببعض الأطراف المؤثرة داخل اتحاد الشغل. أفرزت انتخابات 23 أكتوبر 2011 الخارطة السياسية المعلومة. وتم توزيع السلطة على النحو الثلاثي، فهل كان هذا التقسيم حكيما من حيث الأشخاص والمواقع ؟

أمّا بالنّسبة إلى رئاسة الجمهورّية فإنّه بالنّظر إلى السياق العام الذي كان قائما حينها والذي تميّز بشكل الخارطة السيّاسيّة التي صمّمتها الانتخابات وبمضمونها، وبالحجم الذي خصّت به كلّ طرف وبالنّظر إلى الزخم الثوري الذي كان يجتاح المزاج الشعبي وبرغبتنا في أن تتقدم قوى الثورة والأطراف التي تعاقدنا معها للتحالف إلى الفضاء الرّسمي للدّولة وإلى المساحات المهمّة منها، فإنّ ترؤّس الدكتور محمد المنصف المرزوقي للدّولة كان قرارا صائبا من زاوية اصطفافه مع الثورة ومناصرته للحرّيّات وعدم انجراره وراء الدّعوات الانقلابيّة بل كان مقاوما لها. وقد أثبتت التجربة وجاهة ذلك الاختيار رغم ما كشفت عنه أيضا من صعوبات هي في الحقيقة من إكراهات وتعقيدات المرحلة ومن شخصية الرّئيس نفسه وطريقة إدارته للملفات.

وأمّا بالنّسبة إلى رئاسة المجلس الوطني التأسيسي فإنّ إيكالها إلى الدكتور مصطفى بن جعفر لم يكن أقلّ صوابا، إذ نجح الرجل في تأمين تحقيق التوازنات داخل المجلس.

ولكنّ صواب هذه الخيارات لا يُخفي الفجوات التي اخترقت أداء هاتين المؤسّستين وما لذلك من علاقة بتموقع الحركة.

كانت بعض القرارات التي اتخذتها رئاسة الدّولة والمواقف السياسيّة من عدد من القضايا، محرجة وألحقت بعض الضّرر بالتجربة الوليدة. تجربة كنّا نريد أن نترفّق بها ونحن نلج واقعا إقليميا غير مستقرّ ومعادلة دوليّة محترزة ومتحفّظة ممّا يحدث في المنطقة بل وتضمر شيئا من عدم الرّضا كتمته مسايرة للدّفق الثوري وتجنّبا لمواجهة تيّاره الجارف. وفضلا عن ذلك فقد كان للاستقالات التي تتالت في حزب المؤتمر الأثر البالغ على رئاسة الدّولة والترويكا، إذ أصبح الرّئيس بلا سند ولا ظهير تنظيمي يحشد لخياراته الدّعم الشعبي. كما ساهم موقفه من الحوار الوطني وتموقعه بعيدا عن خيارات الحركة في التوافقات الحاصلة في إرباك الحالة السيّاسيّة وحرمانها من أحد عوامل القوّة والدّعم. بل استهدفت رئاسة الجمهوريّة الحركة حين اتّهمتها بالتغوّل، والتقت بذلك موضوعيا مع ما تردّده المعارضة. كلّ تلك العناصر شوّشت على العلاقة بين الطرفين.

أمّا بالنّسبة إلى رئاسة المجلس فإنّ قرار غلق المؤسّسة وتعليق عمل المجلس مثّل ضربة موجعة للتجربة أضعفت الشرعيّة وكادت أن تؤدي بالعمليّة السياسيّة برمّتها، خاصّة أنّها جاءت في فترة حسّاسة إقليميا ودوليّا. كانت تلك الخطوة مثيرة للشكوك حول حجم تأثيرنا ومصداقيّة العمل في ذلك المستوى. فضلا عن محطّات أخرى من المسار الانتقالي لم تكن فيها رئاسة المجلس رافعة لتجربة الشرعيّة. يضاف إلى ذلك أنّ حزب التكتّل كان يردّد أنّه موجود مع النهضة في الحكومة وليس متحالفا معها في المجلس الوطني التأسيسي. وهو وضع غير سليم.

هذا، وقد مثّل الموقف من العريضة الشعبيّة مدار سجال تراوحت فيه الآراء بين طرفي نقيض: أمّا الرّأي الأوّل فإنّه لا يرى وجاهة في الانفتاح على هذه الكتلة بالنّظر إلى الخلافات التي كانت تشقّ علاقة قيادة الحركة بمؤسّس هذا التيّار، فضلا عمّا ارتبط به من شبهات لم يكن يسمح بها المزاج العام المتّسم بالحساسيّة الكبيرة تجاه العلاقة بالمنظومة القديمة. وأمّا الرّأي الآخر فإنّه يعتبر أنّ استبعاد العريضة من الشراكة السياسية ليس خيارا حكيما، إذ حرمت الحركة نفسها من حليف كان يمكن أن يساعد على حمل الأعباء الثقيلة التي فرضتها المرحلة.

أحد الأعطاب الرّئيسيّة في وضعنا، ذلك النّقص الفادح في النّخب التي تنتصر لمشروع الحركة والتي لها إشعاع معتبر. لقد ساهمت تلك القوّة الناعمة التي تستهدف العقول في الإضرار بالتجربة بفعل ما مارسته خاصة بعض الجهات المؤثرة في قطاع الإعلام من تضليل وتأثير سيّء، كوّن حكما سلبيّا على الثورة والنهضة والحكومة وأشاع حالة من التبرّم والضجر من الجميع.

تجدر الإشارة إلى أنّ الحركة لم تتمثّل كما ينبغي المعطى الأساسي للمرحلة وهو أنّنا في طور تأسيسيّ، بما يعني أنّ الوضع لا يحتمل أن يتشكّل على قاعدة التقابل التقليدي: سلطة ⁄ معارضة. ولذلك فإنّ هناك رأيا يعتبر

أنّ الحركة لم تجتهد بما يكفي ولا هي أعطت متّسعا من الوقت حتّى تثمر الاتّصالات وتنضج المواقف بما يفضي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنيّة يشارك فيها أوسع قدر ممكن من الفاعلين. غير أنّ البعض يعتبر أنّ الأطراف الأخرى بدورها لم تبد استعدادا ولا تفهّما لمساعي الحركة، بل عملت منذ البداية على عرقلة تلك الجهود فاختارت بسرعة موقعها في المعارضة وربّما كانت تريد أن تورّط الحركة في أوحال الحكم.

ومهما يكن من أمر، فقد نجحت تجربة الحكم في الاعتراف بالحالة الإسلاميّة على مستوى المنتظم السياسي، ولو نسبيا، وأكسبت الحركة خبرة في إدارة الشأن العام ما كان من الممكن أن تحصل لولا هذه التجربة، ذلك أنّ المدرسة الحقيقية للسياسة هي الدّولة.

إدارة الأزمات

بغض الطّرف عن تفاصيل الأداء الحكومي وإدارة اليومي في تلك المرحلة من أوضاع الانفلات التي عرفتها البلاد، فإنّ الوقوف عند المحطّات الكبرى التي أثّرت في المسار السياسي هو الذي يكشف مواطن القوة ومكامن الضعف. يتعلّق الأمر هنا بالأزمات البارزة التي عرفتها التجربة القصيرة للحكم، وهي التالية:

  • 14سبتمبر2012 / ( أحداث السفارة الأمريكية).
  • 4ديسمبر2012/ ( أحداث اتحاد الشغل).
  • 6فيفري2013/ ( الاغتيال السياسي الأوّل).
  • 25جويلية2013/ ( الاغتيال السياسي الثاني).
  • " اعتصام الرحيل".

لكلّ أزمة من هذه الأزمات خصوصيتها سواء من حيث السياق العام الذي تتنزّل فيه أو من حيث حجم الضغط الذي سلّطته على التجربة الديمقراطية ونوعيته. وبغضّ الطرف عمّا تختلف به عن بعضها فإنّها كانت جميعها محكّا قويّا للاختبار. اختبار في الحكمة والحنكة السياسية كما في القدرة على الصمود والثبات. لقد كشفت تلك الأزمات الحجم الهائل من التحديات التي تواجه وجود الحركة في الحكم، والتي تقاطعت فيها توجّهات وسياسات أجنبية رافضة للحركة مع مواقف محلية معادية هي مزيج من إيديولوجيا ومصالح مالية وسياسية وغيرها.

لقد أكدت كلّ تلك الأحداث الشكوك التي كانت سائدة، وستأتي، فيما بعد، وقائع وتصريحات أخرى لتؤكدها بلا أي مجال للشك، وجود مخطط خطير تشترك فيه وتسانده جهات كثيرة، داخلية وخارجية، مخطّط يستهدف القضاء على تجربة الانتقال الديمقراطي نهائيا...

وجاء الاغتيال الثاني ليصل بالأزمة إلى أقصاها، وتزامن ذلك مع تفاقم الأوضاع في مصر، الشيء الذي ضخّ للحدث مزيدا من شحنات الاحتقان والتوتّر. ورغم أنّ ردّ فعل الشارع كان أقّل زخما ممّا كان عليه خلال الاغتيال الأوّل فإنّ الأزمة السياسيّة بلغت طورا متقدّما وكانت مقبلة على مزيد من التعقيد لأنّ مسار الأحداث بدأ يأخذ أشكالا أخرى، والخشية وقتها أن لا تتوقّف الاغتيالات. والشعور الذي كان يسيطر على القيادة حينها هو ضرورة تلافي تكرار النموذج المصري في بلادنا.

ومن أهمّ ما قامت به الحركة حينها هو اجتماع القصبة يوم 3 أوت 2013، وهو تجمّع الإعلان عن الاستعداد التام للدفاع عن الدولة والثورة والشرعية. وكان ذلك رسالة قوّية للدّاخل والخارج مفادها أنّ الحركة ما زالت تمسك بزمام المبادرة السياسية والميدانية، وأن استنساخ السيناريو المصري ليس أمرا يسيرا. وقد حقّق ذلك التحرّك هدفه الرئيس المرسوم له، وهو كبح التدحرج نحو الانفلات والفوضى. ورغم ذلك فإنّ الخطر لم يتبدّد تماما، وكان لا بد للحركة من القيام بمبادرات سياسية تزيل شبح التوتر والانقسام والانهيار...

وقد تبيّن أن الحركة كانت كلّما حرّكت الشارع حقّقت التفوّق على الأرض وثبتت شرعية المؤسسات المنبثقة عن انتخابات 23 أكتوبر 2011 ولكنها لم تكن تحصد من النتائج ما يتناسب مع ذلك الجهد وتلك الإمكانيات، بمعنى أنّ الاستثمار السياسي لا يساوي حجم التحرّك الميداني.

إنّ الرّبط الآلي بين نجاح الحركة ونجاح الحكومة قد مثّل مغامرة رهنت مكانة الأولى ورصيدها بأداء الثانية. فقد اعتقدنا أنّ إسناد الحكومة وتسخير إمكانيات الحركة التنظيميّة سيؤمّن لمشروعنا أكثر ما يمكن من فرص النّجاح. ولذلك فإنّ تعثّر الحكومة كلّفنا أثقل ممّا نتحمّل. وظهرت آثار ذلك فيما سجّلناه من مواقف وردود فعل شعبيّة خلال حملة الانتخابات التشريعيّة الأخيرة (2014) إذ كنّا نُخاطَب كما لو أنّنا المسؤولون وحدنا عن الأداء الحكومي.

أداء الكتلة داخل المجلس التأسيسي

رغم أنه لم يكن للكتلة أي استعداد مسبق للعمل البرلماني ولم تكن لديها رؤية ولا خطّة عمل مسبقة لإدارة الحكم، ورغم أنّها كانت تفتقد إلى الإمكانيات المادية والبشرية، رغم كل ذلك فقد نجحت في الحيلولة دون انهيار المجلس التأسيسي أيام "اعتصام الرحيل"، وساهمت في إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي والمشاركة في الحوار الوطني والوصول إلى توافقات كانت المعبر إلى المصادقة على الدستور وإنجاز ما انتخبت من أجله ( الدستور، هيئة الانتخابات، قانون العدالة الانتقالية، هيئة الحقيقة والكرامة ، قانون الانتخابات، ست ميزانيات، عدد كبير من القوانين ...) واكتسب جل أعضائها تجربة ثرية في فهم النصوص القانونية وصياغتها. فالمواظبة على الحضور في اللّجان، رؤساء أو أعضاء، ساهمت في ضبط العمل الذي كان يتوقف بدرجة كبيرة على انضباط نواب النهضة، ونجح نواب الحركة في الإقناع ببعض الأفكار الهامة والقيم السياسية والدستورية...

بالمقابل كانت هناك نقائص على مستوى إدارة المجموعة، فرغم أنّ الكتلة كانت تزخر بالكفاءات فإنّها لم تحسن استثمارها بالشكل المطلوب، الشيء الذي ينمّ عن غياب منهجيّة ناجعة في التعامل مع الموارد البشريّة. ويرى البعض أن تمركز القرار على مستوى مكتب الكتلة كان له الأثر السّلبي على العمل بشكل عام. ويمكن إجمال إخلالات عمل الكتلة في :

  • غياب سياسة اتصالية ناجعة للكتلة فتح المجال للتنافس على الظهور الإعلامي حتى على حساب المضمون وفي بعض الأحيان في مخالفة صريحة لسياسة الحركة. فقد أربكت بعض التدخلات المنفلتة التناغم والانسجام العام الذي من المفروض أن يسود.
  • لم تستطع الكتلة بناء تحالفات متينة ودائمة مع بقية النواب على الرغم من الجهود المبذولة على هذا الصعيد.
  • نقل الخلافات السياسية من مؤسسات الحركة إلى الكتلة كان عامل تململ.
  • كما كان لإفراغ الكتلة من أغلب الرموز والقيادات التي التحقت بالحكومة دور واضح في ضعف التأطير السياسي والإعلامي.

الحوار الوطني

مثّل "الحوار الوطني" مرحلة حاسمة في تجربة الحكم التي خاضتها الحركة في إطار الترويكا. ويمكن القول إن هذا المسار الذي انطلق يوم 16 أكتوبر 2012 بجلسة الحوار الوطني الأولى لم يتوقف إلاّ عندما استقالت الحكومة الثانية للترويكا، في ما عُدّ إنهاء لحكم النهضة خاصّة ولتجربة الترويكا عامّة. وهو موقف ردّت عليه الحركة بالقول إنّها خرجت من الحكومة ولم تخرج من الحكم وإنّ الترويكا لم تنته نظرا لاستمرار وجودها في المجلس الوطني التأسيسي ولبقاء مؤسّستي رئاسة الدّولة والمجلس قائمتين. لقد ساهم هذا الحوار في رسم ملامح المرحلة اللاحقة التي قادتها حكومة "الكفاءات الوطنية المستقلة" برئاسة مهدي جمعة. وإذا كان قد أفضى إلى نتائج دون ما أرادت المعارضة، أي الإزاحة الكاملة للنهضة من الحكم بتفكيك منظومة 23 أكتوبر، فإنّه أثّر على مسار التجربة وكاد أن ينحرف بالثورة انحرافا كاملا.

وقد كثر الحديث عن الحوار الوطني بعد الاغتيال الثاني في 25جويلية2013، فقد جاء هذا الحدث ليربك المسار السياسي ويعيده إلى المربع الأمني ويدفع البلاد نحو أزمة سياسية خانقة. وفعلا بعد سلسلة من التحركات التصعيدية عبرت عن نفسها من خلال تجميد المعارضة لعضوية نوابها في المجلس الوطني التأسيسي والاعتصام أمامه بداية من 27جويلية، تم تعليق عمل المجلس الوطني التأسيسي في 7 أوت 2013. وواكبت هذه الأحداث خطابات تصعيدية وضعت مؤسسات الدولة محلّ استهداف. ووصلت الأزمة إلى ذروتها بالإعلان عن مجلس الإنقاذ الوطني الذي انضمّت إليه كلّ مكونات المعارضة، في تحدّ واضح للشرعية بل قدّموا أنفسهم بديلا، في تصعيد استدعى ما يحدث في مصر.

التقط الاتحاد العام التونسي للشغل والأطراف الراعية للحوار الوطني حالة الاحتقان للدفع بالحوار إلى مرحلة جديدة. ويمكن القول إنّ التحوّل الحقيقي في المشهد السياسي بعد الاغتيال الثاني جاء مع اللقاء غير المسبوق الذي عقد في العاصمة الفرنسية باريس في 15 أوت 2013 بين رئيسي حزبي النهضة ونداء تونس، بعد قطيعة طويلة بين الطرفين.

ومن المهم الإحاطة بكلّ حيثيات هذا اللقاء وما تبعه من لقاءات واتصالات أخرى بين رئيس الحركة ورئيس النداء لفهم مجمل المشهد السياسي في البلاد. فقد بدا واضحا أن هذا اللقاء كان أحد المحدّدات الرئيسة للتقارب بين الحزبين ورسم ملامح المرحلة الموالية. وقد انعكس هذا التقارب بشكل واضح على الحوار الوطني الذي كان تحت رعاية الاتحاد العام التونسي للشغل وبقية الرباعي.

المشكل أنّ النداء لم يكن يرغب في المضي بهذا الحوار إلى نهاياته، كان الحوار عنده مجرد أداة من أداوت الضغط على النهضة واحتوائها. أمّا الحركة فقد كانت، في البداية، متردّدة في التعاطي مع هذه المبادرة. وتراوح موقفها بين المقاطعة الشاملة والمشاركة الكاملة. وكانت تدرك أنّ الأطراف الراعية للمبادرة تحرص على ضبط إيقاع الحوار بما يحقق الأغراض الأساسية التي من أجلها أًطلق.

إنّ توقيع الشيخ راشد الغنوشي في 5 أكتوبر على وثيقة الحوار الوطني دون تحفّظ كان موقفا محدّدا وتحوّلا حاسما في انطلاق الحوار. وقد جرت عملية التوقيع في تجاوز لقرار مؤسسات الحركة التي كان تقديرها في تلك اللحظة أنه بالإمكان تحسين الشروط الواردة في الوثيقة.

كان التوقيع مفاجئا ولا يوفر أيّة ضمانة، بل مورس فيه نوع من الضغط على رئيس الحركة، ورفض خلاله حتى منحه الفرصة لتضمين تحفّظ جزئي على نص الوثيقة التي أعدها الاتحاد العام التونسي للشغل لتحقيق الهدف الأساسي وهو إنهاء شرعية حكومة الترويكا وإطلاق مسار إخراج النهضة وشركائها من الحكم.

راهنت أطراف كثيرة على رفض الحركة لهذا الشرط لإظهارها بمظهر الخارج عن الإجماع الوطني والادعاء أنّها ليست جادّة ولا صادقة في قبولها مبدأ الحوار وأنّها لم تأت إلى طاولة الحوار إلاّ للمناورة وربح الوقت. والحقّ أنّ تلك الأطراف المناهضة للحركة هي التي لم تكن جادة في إنجاح الحوار بل كانت تريد إفشاله لإرباك الأوضاع والدفع بها إلى مآلات سيّئة على البلاد والحركة. لقد جاءت تلك الجهات إلى الحوار وهي تضمر إخراج الحركة، ليس من الحكم فقط بل من المشهد السياسي كلّه. صحيح أنّ الإمضاء كان مخالفا لرأي مجلس الشورى غير أنّه أعدم كلّ ذرائع الأطراف المقابلة ووضعها في موقف محرج ليبقى الرّهان فيما بعد على مجريات النقاش وتفاصيله داخل جلسات الحوار وقدرة كلّ طرف على المناورة والإقناع.

كانت أهداف الحركة في الحوار الوطني هي تأمين ما تبقّى من المرحلة بخفض درجة الاحتقان السياسي واستكمال الانتقال الديمقراطي بإنهاء كتابة الدستور وتكوين الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وتحديد موعد للانتخابات التشريعية والرئاسية. ولذلك اشترطت استكمال تلك الاستحقاقات قبل استقالة الحكومة. كان الأمر يقتضي تكوين حكومة تضمن هذا التمشي ولا تكون سببا في الانتكاس والانقلاب على المسار. وهو ما تحقّق بأقدار مقبولة.

المؤكد أن الحوار الوطني في انطلاقته في أكتوبر 2012 وفي ذروته في أكتوبر 2013 كانت تحركه إستراتيجية واحدة وهي وضع حدّ لحكومة النهضة وشركائها. وهو بهذا المعنى لم يزد عن كونه "عملية مفاوضات" لإخراج النهضة من الحكم، وليس حوارا. بيد أن النهضة التي انخرطت فيه مكرهة نجحت في الحدّ من الخسائر وتحقيق بعض المكاسب، لا سيما في سياق فرض إستراتجية تزامن المسارات. رغم أنّه كان يمكن، حسب المعطيات المتاحة، أن يكون دورنا وإستراتيجيتنا في الحوار أكثر فاعلية وتحكما في مخرجاته. يمكن القول إجمالا إن الحوار الوطني لم ينته إلا وقد عزل بعض من كانوا يهدفون إلى عزل النهضة.

الخلاصات العامّة

حدّد المؤتمر التاسع للحركة الذي انعقد في صائفة 2012 الهدف العام التالي:" استكمال الثورة وإنجاح تجربة الحكم وحسم ميزان القوى لصالح الثورة في الانتخابات القادمة ".

وجاء في قرارات وتوصيات الدورة 15 لمجلس الشورى المنعقدة في 10- 11- 12 ماي 2013 حول خطّة الحركة ما يلي : " تأمين الوصول للانتخابات والنجاح فيها في إطار استكمال الثورة وحسم ميزان القوى لصالحها ".

وأنّ:" الخصم الحقيقي هو قوى الردّة المتمثلة في بقايا النظام البائد والتجمّع المتحالف مع اليسار الانتهازي والإستئصالي والمال الفاسد ".

فأين الحصيلة التي انتهينا إليها من ذلك؟

مكاسب تجربة الحكم

مكاسب عامة
  • تأمين استمرارية الدولة وضمان الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين.
  • قرار دخول الحركة إلى الحكم كان صائبا والإشكال يتمثل في الحجم والكيفية.
  • تبديد الشبهات حول علاقة الحركة بعدد من القضايا مثل الديمقراطية وحقوق المرأة والتعددية.
  • المساهمة في تكريس الهوية الديمقراطية للدولة جعلت من الحركة العمود الفقري لنجاح تجربة الانتقال في تونس.
  • المصالحة النسبية مع الدولة و"تطبيع" الوجود في الحكم وبداية القبول بالطرف الإسلامي في السلطة لدى قوى وطنية ودولية.
  • بعض الإنجازات على المستوى الاقتصادي ومرونة وقدرة على التكيف مع المستجدات.
على مستوى المجلس التأسيسي :

كان للحركة عبر كتلتها في المجلس التأسيسي دور كبير في :

  • سن دستور توافقي يمثل مرجعية جديدة في الأداء والإنجاز وضبط أفق الدولة باعتبارها دولة مدنية ديمقراطية تدار عبر آلية التداول السلمي والتنافس السياسي والاتفاق على الفصول المرتبطة بمسألة الهوية.
  • تشكيل هيآت دستورية لها دور مهم في البناء الديمقراطي.
  • التصدي لمحاولات الانقلاب على منظومة 23 أكتوبر.
على مستوى العلاقات الخارجية :
  • حصول تقارب سياسي معتبر مع الجارة الجزائر بعد تخوفها من مآلات الوضع في تونس بعد الثورة.
  • هناك "دعم" ملحوظ للتجربة من قبل عديد الدول الغربية.

تقييم الحوار الوطني

أهم نتائج الحوار الوطني
  • استعادة الحد الأدنى من الثقة بين الفرقاء السياسيين واستبعاد مناخات التوتر والانقلاب.
  • الحركة مستفيد رئيس من انعقاد الحوار ومن نتائجه، إذ أنها:
    • ساهمت بفعالية في تحقيق التهدئة السياسية.
    • خفّفت من القطيعة مع اتحاد الشغل.
    • قرار خروج الحركة من الحكومة كان صائبا إذا قرأناه في ضوء معطيات تلك اللحظة التاريخية من حيث هو عملية معالجة لأزمة حادة وخطيرة على البلاد وعلى الحركة.
تقييم الحوار من حيث صورة الحركة:
  • برزت في البداية مرتبكة وغير قادرة على تحديد موقف واضح من الحوار.
  • برزت نسبيا وكأنها خضعت وجاءت تحت الضغط للحوار.
  • نجحت، في المراحل الأخيرة، في أن تبرز كطرف وطني مسؤول يضحّي بمصلحته الحزبية من أجل المصلحة الوطنية.
  • لدى أبناء الحركة: رفض وتوجس في البداية تحول إلى حالة متأرجحة بين الاطمئنان والتخوف من طريقة إدارة الحوار ونتائجه.
  • لدى الخصوم: تضارب في التقييم بين من يراها أجبرت على التنازل وبين من يراها طرفا محنكا سياسيا أحسن تجاوز المآزق والصعوبات التي تعترضه.
  • لدى الأطراف الخارجية: طرف واقعي يتوفر على قدر مهم من المرونة السياسية والسلوك المسؤول.

سلبيات تجربة الحكم

على مستوى هوية الحركة وتنظيمها:
  • دخول الحركة إلى الحكم بقوة أدى إلى تراجعها على مستوى الاهتمام بالمجتمع وقضاياه.
  • لا تزال الحركة حزبا تقليديا في نظر الآخرين ولم يتحول إلى حزب منفتح وعصري.
  • في مستوى الخيارات السياسية الكبرى هناك هوة بين قيادة الحركة وعموم أبناء الحركة.
  • ضعف حجم النخبة ونوعيتها لا يتناسب مع الجسم الكبير للحركة ومسؤوليتها في البلاد.
على مستوى علاقة الحركة بالحكومة:
  • الحكومة لم تكن قادرة على تنفيذ برنامج الحركة في العديد من الملفات.
  • نقص التجربة وغياب الوضوح في الصلاحيات أدى إلى حصول تجاذبات بين قيادة الحركة ورئاسة الحكومة في بعض المحطات.
على مستوى صورة الحركة:
  • عدد من المواقف اتُخذت بشكل مرتجل مع غياب الكفاءة في بعض المواقع في الدولة جعل الحركة في نظر قطاعات واسعة داخل الشعب غير مؤهلة للحكم.
  • تأثرت صورة الحركة بفعل منهجها في الحكم، من جهة التردد وضعف الحزم خاصة في ملف مقاومة الفساد.
  • ضعف مخل على مستوى التواصل والإعلام.
  • لدى الرأي العام تتحمل الحركة وحدها مسؤولية الحكم دون اعتبار لشركائها في " الترويكا ".
على مستوى منهج الحكم وإدارة الدولة:
  • لم يكن للحركة رؤية واضحة ومنهج في إفراز رجالات الحكم وآلية اختيارهم.
  • دخلت الحركة الحكم بكثير من الحذر والتردد وخاصة في الملفات الحساسة: الأمن، الفساد، السلفية الجهادية...
  • لم تمتلك الحركة رؤية واضحة في تحديد الأولويات خاصة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
  • ارتباك في الإدارة الداخلية لفريق الحكم وغياب التنسيق والعمل الجماعي.
  • بطء على مستوى الإنجازات التي انتظرها المواطن خاصة في الملف التنموي.
  • نقص كبير في المبادرة السياسية ونقص أكبر في التواصل مع الشعب.
  • لم تستعن الحركة بمراكز البحث والدراسات لفهم الأوضاع المحلية والدولية بهدف التقدير الصحيح في مواقفها.
  • خط الحركة السياسي وأداؤها في الحكم ظهرا وكأنهما غير خادمين لاستحقاقات الثورة.
  • لم تستطع الحركة توسيع دائرة الحلفاء خارج حدود "الترويكا".
  • دخلت الحركة للحكم وهي البديل للنظام السابق وخرجت من الحكومة وجزء من المنظومة القديمة استعاد تأثيره داخل السلطة.
على مستوى العلاقة ببعض مكونات الساحة الوطنية:
  • بالغت الحركة في التوصيف السلبي لبعضهم في المرحلة الأولى من تجربة الحكم (النداء واتحاد الشغل) الأمر الذي كان له أثر سلبي عند العمل على تحسين العلاقة معهم.
  • استمرار التوتّر الحاد مع قوى اليسار الراديكالي.

خاتمة:

إجمالا يمكن القول إنّ الهدف العام الذي حدّده المؤتمر التاسع قد تحقّق بأقدار، والتفصيل الذي ينصّ عليه القرار التالي: "تأمين الوصول للانتخابات والنجاح فيها في إطار استكمال الثورة وحسم ميزان القوى لصالحها" يساعد على التقدير، إذ أنّنا أمّنّا الوصول إلى الانتخابات وحقّقنا فيها نسبة نجاح جيّدة. لكن استكمال الثورة وحسم ميزان القوى لصالحها لم يتحقّق بالقدر الكافي، بل إنّ أسباب الانتكاس ما زالت قائمة مع عودة بعض الأطراف التي لا تؤمن بالديمقراطية إلى المشهد السياسي خاصة المرتبطة بالنظام القديم. فضلا عن أنّ القول إنّ " الخصم الحقيقي هو قوى الردّة المتمثلة في بقايا النظام البائد والتجمّع المتحالف مع اليسار الانتهازي والاستئصالي والمال الفاسد " قد أصبح محلّ سؤال بعد تجربة الشراكة الأخيرة.